حرموا علينا الدنيا والأخرة.. كيف يعد المتشددون أغلب تصرفات المسلمين بدعا وضلالات؟

الإثنين، 06 نوفمبر 2017 12:00 ص

 وتمكنت هذه المفاهيم المسيطرة على فكر الغلاة في هذا العصر باتساع مفهوم البدعة، فيعدون أغلب سلوك المسلمين في عباداتهم وعاداتهم من البدع والضلالات. وذلك لأنهم ظنوا أن كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة وضلالة لا يجوز فعلها، فتراهم إذا رأوا من يرفع يديه بعد الصلاة ليدعو الله ينهرونه ويقولون له: إنها بدعة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك. ومن يمد يده لمصافحتهم بعد الصلاة يخبرونه بأن ذلك بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك.....إلخ
 
 ويؤكد العلماء أن ليس كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم بدعة وضلالة؟ حيث ألف في هذا االشيخ العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغماري رسالة سماها «حسن التفهم والدرك لمسألة الترك»، وقد افتتحها بأبيات جميلة حيث قال:  
 
الترك ليس بحجة في شرعنا                لا يقتضي منعا ولا إيجابا
 
فمن ابتغى حظرًا بترك نبينا                ورآه حكمًا صادقًا وصوابا
 
قد ضل عن نهج الأدلة كلها                بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا
 
لا حظر يمكن إلا إن نهي أتى              متوعدا لمخالفيه عذابا
 
أو ذم فعل مؤذن بعقوبة                     أو لفظ تحريم يواكب عابا
 
ولقد اتفق علماء المسلمين سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا على أن الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده، فكان مسلكهم لإثبات حكم شرعي بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو الحرمة هو:
 
1-         ورود نص من القرآن.
 
2-         ورود نص من السنة.
 
3-         الإجماع على الحكم.
 
4-         القياس.
 
واختلفوا في مسالك أخرى لإثبات الحكم الشرعي منها:  
 
5-         قول الصحابي.
 
6-         سد الذريعة.
 
7-         عمل أهل المدينة.
 
8-         الحديث المرسل.
 
9-         الاستحسان.
 
10-       الحديث الضعيف.
 
 وغير ذلك من المسالك التي اعتبرها العلماء، والتي ليس بينها الترك.
 
وأكد العلماء أن الترك لا يفيد حكمًا شرعيًّا بمفرده، وهذا محل اتفاق بين المسلمين، وهناك من الشواهد والآثار على أن الصحابة لم يفهموا من تركه صلى الله عليه وسلم التحريم ولا حتى الكراهة، وذلك ما فهمه الفقهاء عبر العصور. 
 
وقد رد ابن حزم على احتجاج المالكية والحنفية على كراهة صلاة الركعتين قبل المغرب بسبب أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونها، حيث قال ما نصه:  «وهذا لا شيء؛ أول ذلك أنه منقطع؛ لأن إبراهيم لم يدرك أحدًا ممن ذكرناه، ولا ولد إلا بعد قتل عثمان بسنين، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنهم نهوا عنهما، ولا أنهم كرهوهما، ونحن لا نخالفهم في أن ترك جميع التطوع مباح».
 
فلم يتوقف كثيرًا ابن حزم أمام ترك الصحابة لصلاة الركعتين، وقال: إن تركهم تلك الصلاة لا شيء، طالما أنهم لم يصرحوا بكراهتها، ولم ينقلوا ذلك.
 
وهذا مسلكه مع ترك الصحابة لعبادة، وكان ذلك عين موقفه من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبادة أصلها مشروع حيث قال في الكلام على ركعتين بعد العصر:  «وأما حديث علي بن أبي طالب فلا حجة فيه أصلا؛ لأنه ليس فيه إلا إخباره رضي الله عنه بما علم؛ من أنه لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما، وهو الصادق في قوله، وليس في هذا نهي عنهما، ولا كراهة لهما؛ [وما] صام عليه السلام قط شهرًا كاملًا غير رمضان؛ وليس هذا بموجب كراهية صوم [شهر كامل تطوعا]»( )، فلقد فهم من ترك النبي صلى الله عليه وسلم صيام شهر كامل غير رمضان، لا يدل على حرمة ولا كراهة صيام شهر كامل غير رمضان، حتى وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
 
واقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بعد رفع الرأس من الركوع على قوله: سمع الله لمن حمده، ولم يفهم الصحابي أن هذا الاقتصار يوجب الحظر عن الزيادة. فعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: " كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» . 
 
ولم يكن الصحابي يقدم على شيء وهو يعتقد حرمته، ولم يعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على نهجة ذاك، ولم يقل له مثلا:  أحسنت ولا تعد. أو نهاه عن إنشاء أدعية أخرى في الصلاة، وكما نعلم فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
 
ولم يفهم سيدنا بلال رضي الله عنه من ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند كل وضوء عدم جواز ذلك، فأقدم على تلكم الصلاة التي استحسنها وواظب عليها، ولم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها، فلما سأله النبي قائلًا:  ((يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة)). قال:  "ما عملت عملًا أرجى عندي، أنى لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى". قال أبو عبد الله: دف نعليك يعنى تحريك.
 
فسيدنا بلال رضي الله عنه سن لنفسه صلاة في توقيت لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، بل وعد هذه السنة التي سنها لنفسه أرجى أعماله، فحينما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أرجى أعماله أخبره بها. ولا يطعن في هذا الفهم كون الصلاة بعد الوضوء سارت سنة بعد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها، ولكن نستدل بفهم الصحابة بجواز إنشاء أدعية وصلوات في أوقات تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ونستدل كذلك بعدم إنكار النبي هذا المسلك والأسلوب، وعدم نهيه عنه في المستقبل.
 
فإن كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه لأمر لا يدل على أنه بدعة، فكيف نظر علماء المسلمين للبدعة، وما هي مسالكهم في ذلك؟!
 
 مسالك البدعة
 
هناك مسلكان للعلماء في تعريف البدعة في الشرع؛ المسلك الأول:  وهو مسلك العز بن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة وقسمها إلى أحكام حيث قال:  «فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي منقسمة إلى:  بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة:  فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة».
 
وأكد النووي على هذا المعنى؛ حيث قال: «وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها:  ما يكون حسنا، ومنها:  ما يكون بخلاف ذلك».
 
والمسلك الثاني:  جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة، والمندوبة، والمباحة، والمكروهة بدعًا كما فعل العز؛ وإنما قصر مفهوم البدعة عنده على المحرمة، وممن ذهب إلى ذلك ابن رجب الحنبلي ـرحمه اللهـ ويوضح هذا المعنى فيقول «والمراد بالبدعة:  ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة».
 
وفي الحقيقة فإن المسلكين اتفقا على حقيقة مفهوم البدعة، وإنما الاختلاف في المدخل للوصول إلى هذا المفهوم المتفق عليه وهو أن البدعة المذمومة التي يأثم فاعلها هي التي ليس لها أصل في الشريعة يدل عليها وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم:  «كل بدعة ضلالة».
 
وكان على هذا الفهم الواضح الصريح أئمة الفقهاء وعلماء الأمة المتبوعين، فهذا الإمام الشافعي  روى عنه البيهقي أنه قال:  «المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما:  ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، والثاني:  ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غير مذمومة».
 
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي:  «ليس كل ما أبدع منهيا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرا من الشرع ».
 
بل إن النبـي صلى الله عليه وسلم قد جعل لمن يسن للمسلمين سنة فيها خير وصلاح فإن له ثوابها وثواب من عمل بها كما قال:  ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ)).
 
 والسنة الحسنة هي من نوع ما قال فيه عمر بن الخطاب: نعمتِ البِدْعةُ هذه. في جمع الناس على صلاة التراويح، فهو أمر وإن لم يسنه النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس بخارج عن مقصد الشارع من حض الناس على الجماعة والعبادة.

اضافة تعليق