أزمة ثقة أم استهانة باسم الله؟ كيف توقف اندفاعك عن الحلف في الهزل والجد؟

السبت، 04 نوفمبر 2017 12:00 ص

 أسباب انتشار ظاهر الحلف
 
وانتشار مسألة الحلف بالله -تعالى- بالحق والباطل، وانطلاق ألسنة الناس بالقسم بالله -عز وجل- بالأمر المهم، وفي الأمر الحقير، وفي الأمر الحلال، وفي الأمر الحرام، حتى أننا نرى أحدهم تسبق شهادته يمينه، ويمينه شهادته غير مبال بالله، ليلجأ له التاجر في السوق ليقنع الناس بسلعته، واللاعب في لهوه ليقنع المشاهد بمهارته، ويرجع أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى:
 
 أولاً: أن عظمة الله -تعالى- في نفوس كثير من المسلمين قد تلاشت أو قاربت، أصبح الله -عز وجل- ليس له مهابة في قلوب كثير من المسلمين، فهم يحلفون به في أي ساعة من ساعات الليل والنهار سواء كان الأمر يستأهل الحلف أو لا يستاهل الحلف، وهذه قضية خطيرة لها مساس مباشر بالعقيدة الإسلامية، إن من أسماء الله -تعالى- أنه العظيم، هذا الاسم العظيم الذي جهلته قلوب كثير من المسلمين، هذا الجهل هو الدافع لانطلاق الحلف على ألسنة الناس.
 
ثانياً: انعدام ثقة الناس بعضهم ببعض، ومن أسبابه فشو الكذب بين الناس، فترى هذا لا يصدق هذا إلا بالحلف، ويقول له إذا قال له الخبر بقضية عادية بأسلوب عادي: تقسم بالله أن هذا صحيح؟ لأن الثقة بين الناس قد انعدمت، وفشى الكذب حتى لم يميز الصادق من الكاذب، والأمين من الخائن، ومع انتشار القسم صار حتى القسم شيئاً عادياً، لا يصدق بمن يقسم.
 
وتحتاج هذه المسألة الخطيرة إلى علاج، وإلى تبيين شيء من أحكامها؛ خاصة وأن الإفراط في الحلف مذموم لأن الله -تعالى- قال في القرآن العظيم: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ القلم: 10وحلاف صيغة مبالغة، وهو الرجل الذي يحلف كثيرا، حلاف مهين، وقال -عز وجل-: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْالبقرة: 224، وقال -تعالى-: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْالمائدة: 89، لا تقسم عند أي شيء، أحفظ اليمين، ادخر اليمين للأمر العظيم، لا تجعله ألعوبة كما جعله اليوم كثيراً من المسلمين.
 
 أنواع الأيمان:
 
اليمين ثلاثة أنواع فمنه من اليمين من القسم:
 
ما يجري على ألسنة الناس دون قصد، فترى أحدهم يقول يسأل: فلان موجود؟ فيقول له بعض الناس: والله غير موجود، هذا النوع من القسم لا يعتبر قسماً، ولا تنعقد به اليمين، ولا تجب بحنثه الكفارة، لماذا؟ لأن المتكلم ما قصد الحلف، وإنما جرى على لسانه بغير قصد، وهذا هو معنى قول الله -تعالى-: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ البقرة: 225، هذا هو معنى اللغو في اليمين، وهذه اليمين غير منعقدة.
 
أما النوع الثاني من اليمين: اليمين الغموس الكاذبة، هذه اليمين الذي يراد منها اقتطاع مال امرأ مسلم، أو أخذ حقه و الاستيلاء عليه ظلماً وعدوانا ، اليمين الكاذبة التي قال العلماء بالإجماع: إنه ليس لها كفارة مطلقاً؛ لأنها أعظم في الذنب لأنها عظيمة جداّ ذنبها عظيم لا يكفره كفارة مادية، اليمين الغموس الكاذبة هي في العظمة في عظمة ذنبها أكبر من أن تكفرها أية كفارة؛ فلذلك قال العلماء: إنه لا كفارة لها مطلقاً، من أنواع الكفارات المادية، ولا يكفرها إلا التوبة والاستغفار، استغفار الله تعالى من هذا الجرم العظيم، وكذلك هي التي قال الله -تعالى- أنها من صفات المنافقين أنهم الذين قال الله عنهم: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ المجادلة: 14، يحلف على الكذب وهو يعلم أن يمينه كذب، وهذه الخصلة صارت خلقاً لكثير من المسلمين اليوم.
 
أما النوع الثالث: في اليمين الشرعية التي يحلف بها الإنسان بالله -عز وجل- على أمر مباح أو مشروع أو غير محرم، هذه اليمين يشرع استخدام جزء منها -أيها الإخوة- كما كان -صلى الله عليه وسلم- يستخدمها مثلاً للتأكيد على الحقائق الإيمانية من خلال الدعوة إلى الله -عز وجل-، الداعية أحياناً يحتاج لكي يقوي أسلوب العرض، ويؤكد ويجزم بما يقول إلى الحلف بالله بأن هذا الأمر حق، كعذاب القبر مثلاً أو الصراط أو المحشر إلى غير ذلك من أمور العقيد، أو الحساب، الحلف بهذا في أثناء دعوة الناس إلى الإسلام بعرض حقائق الإيمان عليهم لا حرج فيه؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قد استخدمه.
 
 حكم الحلف بغير الله:
 
لا يجوز الحلف إلا بالله وصفاته، فإذا حلفت بالله، أو بعلم الله، أو قدرة الله، أو عزة الله، أو عهد الله تعالى لأن العهد من كلامه -عز وجل-، وقال الله -تعالى-:  أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ يس:60، أو حلفت بآيات الله تعالى فإن الحلف بها جائز، لماذا؟ لأن آيات الله هي كلامه، والكلام صفة من صفاته، والحلف بالله أو بصفاته جائز.
 
 أما الحلف بالمخلوقات فإنه لا يجوز مطلقا كالحلف بالكعبة مثلاً، أو الحلف بالأب أو الحلف بالأمانة، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من حلف بالأمانة فليس منا) ، حديث صحيح، كثير من الناس تجده يقول: والأمانة، وأقسم بأمانتي، أو لأقسم بالأمانة أنه كذا، يقول -عليه السلام-: (من حلف بالأمانة فليس منا).
 
 وبعض الناس تتطور بهم أمور خطيرة تؤدي إلى الشرك والعياذ بالله، عندما تجد أحدهم يقسم بالولي الفلاني، أو العبد الفلاني، وهؤلاء استحوذ عليهم الشيطان لدرجة أن أحدهم عندما تقول لهم: احلف لي بالله، يحلف لك بالله كاذباً، لكن إذا قلت له: احلف بحياة شيخك فلان، أو أحلف برأس البدوي، أو غيره من الأولياء، فإنك تجده لا يحلف بالولي إلا إن كان صادقا، فإذا حلف إنسان بمخلوق من المخلوقات كما يجري على ألسنة كثير من المسلمين اليوم الذين يقولون في حلفهم: والنبي مثلاً، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مخلوق من المخلوقات التي خلقها الله، فالحلف به لا يجوز مع عظم منزلته التي أنزله الله إياها، إلا أن الحلف عبادة لا يجوز صرفها إلا لله، لا يجوز القسم إلا بالله، الله يقسم بما شاء من مخلوقاته، يقسم فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ الواقعة: 75، لكن العبيد لا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله، فإذا أقسم إنسان بغير الله فإن قسمه لا ينعقد، لا يعتبر يمينه يميناً، ولو حنثت به لا تجب الكفارة، أما اليمين الشرعية فهي التي لا يحلف فيها إلا بالله، ويؤكد -عليه الصلاة والسلام- خطورة هذا الأمر فيقول : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، حديث صحيح.
 
 ولكن من حلف بغير الله فله كفارة، ماهي الكفارة؟ يقول -صلى الله عليه وسلم-: (من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله)  فمن حلف بولي من ولي من الأولياء، أو بالشرف، أو بالأمانة، أو بصنم، أو بما سوى ذلك مما يسبق على لسانه ويدري، فيقول: لا إله إلا الله، من قال: والنبي، ماهي كفارة هذا الحلف المحرم؟ أن يقول بعد أن يتذكر مباشرة: لا إله إلا الله، كما ورد في الحديث الصحيح. 
 
وقد كان -صلى الله عليه وسلم-: يحلف بالله وصفاته، ومن صفات الله أنه يقلب القلوب، فكان -عليه والسلام- يقول: (لا ومقلب القلوب) ، وكان يقول: (والذي نفسي بيده) ، وكان يقول: (وأيم الله) ، وهكذا من صفات الله -تعالى- وأسمائه.
 
  أحكام فقهية تتعلق بالحلف:
 
 يحلف إنسان فيقول: والله لا أدخل بيتك، والله لا أطأ عتبة دارك، والله لا آكل من طعامك، أو أشرب من شرابك، والله لا آخذ منك قرشاً، أو والله لا أعطيك قرشاً، كمن يحلف ويقول: لزوجته والله لا أعطيك ريالاً أو فلساً،  أو يقول لولده: والله لا أعطيك بعد الآن ريالاً واحداً، هذا الحلف -أيها الإخوة- إذا جئت تنصح الحالف، وتقول له: اتق الله في أهلك أنفق عليهم، أعطي أولادك النقود التي يحتاجونها، أُدخل بيت فلان هذا، كيف تقطعه وتقطع صلته؟ فبعض الناس يقولون: ولكنني حلفت، إنني حلفت أن لا أفعل هذا الأمر، كيف أفعله الآن وقد أخذت ميثاقاً غليظاً على نفسي، وأقسمت بالله أن لا أفعله؟
 
 هذا الإشكال حله بسيط مع التنبيه إلى أن الحلف أصلاً بمثل هذه الأشياء لا يرضاه الله -تعالى-، كيف تقسم أن تمنع النفقة عن زوجتك؟ وكيف تقسم أن لا تدخل بيت جارك؟ كيف تفعل هذا؟ هو أصلاً لا يرضاه الله، لكن أما وقد حدث فلا تقل إذا دعيت إلي الخير والبر: والله أنا أقسمت، والموضوع خرج من يدي، ماذا أفعل؟ يقول الله -تعالى-: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ البقرة: 224، الآية، المعنى الذي قصد بهذه الآية يعني: إذا دعيت إلى دخول بيت أنت حلفت على عدم دخوله فلا تجعل الله -تعالى- ذريعة، لا تجعل الحلف بالله هو عذر أو ذريعة لعدم دخول البيت، وتحتج، وتقول: أنا حلفت، ما هو الحل؟ أن تكفر عن يمينك، وتدخل هذا البيت، وتكفر عن يمينك، وتعطي المال للزوجة والولد، وما شابه ذلك، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (والله، لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله، آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه)  متفق عليه، يعني تمادي الإنسان في الحلف من هذا النوع، الحلف على ألا يفعل شيئاً من الخير، تماديه في الحلف، وإصراره عليه آثم له عند الله من إخراج الكفارة، وكسر اليمين، وإخراج الكفارة، وفعل هذا الخير الذي منع نفسه منه بالحلف، تماديه في اليمين آثم عند الله كما يقول -صلى الله عليه وسلم-.
 
فالحل إذاً أن تكفر عن يمينك، ثم تفعل هذا الشيء الذي منعت نفسك منه، وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها) خلاف اليمين الذي حلفت عليه (خيراً منها فأتي الذي هو خير وكفر عن يمينك) . 
 
 وكذلك لو أن إنساناً حلف بالله أن لا يفعل أمراً ثم فعله ناسياً هل تجب عليه الكفارة؟ الجواب: لا، لا تجب عليه الكفارة؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
 
 وكذلك لو أن إنساناً أقسم بالله على إنسان آخر على أن يفعل أمراً ما، فقال إنسان مثلاً: أقسمت بالله عليك أن لا تخرج من بيتي، أقسمت بالله عليك أن تتغدى عندي، هذا يعتبر يميناً، لو أن الرجل الآخر خرج من بيتك، أو لم يتغدى عندك فيجب عليك الكفارة.
 
 لو قلت: أقسمت بالله عليك يا فلان أن لا ترفع هذا الشيء فرفعه وخالف أمرك، فيجب عليك أنت الحالف الذي أقسمت بالله يجب عليك الكفارة، ولذلك أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإبرار المقسم ، لو أن أخاك أقسم بالله عليك في أمر ما، قال: أقسمت عليك بالله، وحلفت عليك بالله يا فلان أن تفعل كذا، فالسنة والمستحب في حقك كواجب من واجبات الأخوة الإسلامية أن تبر بقسم أخيك، ولا تحرجه ولا تجعله يقع في الحنث الذي يوجب الكفارة، ولكن إن حصل الأمر، وخالف المحلوف عليه، فإنه يجب على الحالف الكفارة.
 
وكذلك فإن حلف إنسان وقال في حلفه: إن شاء الله، فإن اليمين لا تنعقد، يعني لو قال: والله لا أفعل الشيء الفلاني -إن شاء الله-، فإن أتبع الحلف مباشرة بقوله: إن شاء الله فإنها لا تعتبر يمين، ولا تجب فيها الكفارة، هذا خاص بما إذا كان قد أتبع الحلف مباشرة بـ إن شاء الله، أما لو أحداً قال: والله لا أفعل كذا، وبعد ساعتين أو بعد يومين قال: إن شاء الله، فهذه لا تؤثر ويعتبر يميناً لو حنث فيه وخالف ما أقسم عليه تجب عليه الكفارة، والدليل على هذا الكلام قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى) ، فلاحظوا أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (من حلف فقال:) الفاء تقتضي المباشرة (من حلف فقال: إن شاء الله)، وكان الخليفة أبو جعفر المنصور يأخذ برأي ابن عباس بأن الإنسان لو قال بعد سنة يكفي، فقال له أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، أترضى أن يبايعك الناس ويعاهدوك على الخلافة، ثم إذا خرجوا من عندك قال الإنسان: -إن شاء الله- منهم، فلا يلزمهم شيء، فرجع أبو جعفر عن رأيه لما رأى عظم الأمر.

اضافة تعليق