من شعب الإيمان.. الحج والعمرة

الجمعة، 03 نوفمبر 2017 12:00 ص

جعل الله الحج فريضة ليشهد المسلمون -أي ليحضروا- منافع لهم، وكما قال الله -سبحانه وتعالى- يخاطب إبراهيم عليه السلام" :أَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ".  
 
وجاءت الشريعة في صالح العباد؛ للفوزهم بـ رِضْوان الله، وهذا الشَّوق الذي يَخْتلج في قلب كلِّ مسلم إلى بيت الله الحرام، إنَّما هو تَحْقيق لدعوة أبِي الأنبياء إبراهيم - عليه السَّلامُ - حينما أَسْكن ابنه إسماعيل - عليه السَّلام - وأمَّه هاجر في رحاب البيت وتركَهما. 
 
 وكم اتَّجه إلى ربِّه يُناجيه ويتضرَّع إليه"رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ"  (براهيم: 37)، وهذا الحنين إلى البيت الذي تَفِيض به قلوبُ المُسْلِمين في شتَّى بقاع الأرض إنَّما هو استجابة لِهَذه الدَّعوات التي فاض بها قلبُ أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السَّلام - وهذه الأرزاق التي تَمْلأ جوانب الأرض المقدَّسة قادمة من كلِّ صوب وحدب من جنبات الأرض المعمورة إنَّما كانت بِبَركة هذه الدعوات أيضًا.
 
الحجُّ أحد أركان الإسلام الْخَمسة، أوجبَه الله - سبحانه وتعالى - على المستطيع من عباده في قوله - جلَّ شأنُه –"وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً " (آل عمران: 97)، وحيث أن الحج عبادة العمر، وخِتَام الأَمْر، وتَمام الإسلام وكمال الدِّين، وإنَّما كان بِهذه المكانة؛ لأنَّ الله سبحانه أنزل على نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حجَّة الوداع آية الإِتْمام والرِّضا والإكمال في قوله في آيات الذكر الحكيم "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (المائدة: 3).
 
حبا اللهُ  هذه الأرض المقدَّسة من كلِّ خيرات الدُّنيا، وحيث صِدْق قول الله في كتابه بأنَّ ثَمرات الأرض ستُجْبَى إلى تلك البقعة المطهَّرة، وكان ذلك في مَجال الردِّ من متابعة النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن تَطْمع فيهم القبائل، وتَعْدو عليهم، فأبرزَ الله نعمته عليهم، وقرَّر هذه الحقيقة، في قوله تعالى"وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا" (القصص: 57).
 
وفَضْل الحجِّ عظيم؛ فثوابه الجنَّة؛ فقد قال النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "الْحجُّ المَبْرور ليس له جزاءٌ إلاَّ الْجنَّة"، قيل: وما بِرُّه؟ قال: "إطعام الطعام وطيب الكلام"، وكما أن الانسان المسلم الذي يَسْعى إلى أداء هذه الفريضة مُستهينًا بِمَشاقِّ السَّفر. 
 
يتَحمُّل الحاج فراق الأهل والأولاد، مضحِّيًا بالمال والرَّاحة، مبتغيًا رِضا الله عنه، فإنَّما يفعل ذلك إدراكًا منه لفضل هذه العبادة الَّتي اجتمع فيها كلُّ ما في ألوان العبادات الأخرى من الأعمال والأفعال، وحيث سُئِل النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أفضل الأعمال، فقال:"إيمانٌ بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حجٌّ مبرور"؛ متَّفَق عليه.
 
وتحقَّق هذا الفضل لعبادة الحجِّ؛ لأنَّ الله سبحانه أمَر خليله إبراهيم أن يؤذِّن في الناس بالحجِّ، وأخْبَر في كتابه أنَّ الاستجابة لِهَذا الأذان ستكون عامَّة؛ وشاملة يُلبِّيها المسلمون من أقاصي البلاد كما يلبُّونها من أدانيها، فالله سبحانه يقول: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 27، 28]
 
فهؤلاء الحجيج الَّذين جاؤوا من كل حدب وصَوْب يرفعون أصواتَهم بالتَّلبية قائلين: لبَّيك اللهم لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك، بِهذه التَّلبية يُعْلِنون عن استجابتهم لأمر الله لَمَّا أمر نبيَّه إبراهيمَ - عليه السَّلام - أن يؤذِّن في النَّاس بالحجِّ؛ فمَعْنَى "لبيَّك": استجابة لك بعد استجابة.
 
يتدرَّب الحاج على عِفَّة اللِّسان، والبُعْد عن الجارح من الكلام، المُسيء للمشاعر والأحاسيس، ذلك النَّهج من الحديث الذي يَدْعو الإسلامُ المسلمَ أن يترفَّع عنه، وبذلك أَخْذ النَّفْس بالسُّلوك السويِّ حتَّى يَعْتاد المسلم ذلك في كلِّ أمور حياته حينئذٍ بِهَيئة الحجِّ لأنْ يكون نُموذجًا فذًّا للإنسانيَّة الراقية السُّلوك، المهذَّبة الأخلاق، الطيِّبة الحديث، الهادية إلى الصِّراط القويم، " وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ " (الحج: 24). 
 
وأشار الله سبحانه في كتابه الكريم إلى أنَّ الفوز بِهذه القِيَم والمعاني العُلْيا التي يكتسبها الإنسان من فريضة الحج، وحيث يقول الحقُّ - تبارك وتعالى  "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " (البقرة: 197).
 
ويتبين من خلال قول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن الذي يوفِّقه الله لأداء تلك الفريضة، ثم يَسْلَم من الوقوع في الفسوق والرَّفَث والجدال، يكون ذلك بِمَثابة ميلادٍ جديد له؛ فيعود وقد تطهَّر من كلِّ سوء، كأنَّه وليدٌ جديد، يقول - صلوات الله وسلامه عليه "من حجَّ فلم يَرْفث ولم يَفْسُق، رجع كيوم ولدَتْه أمُّه" متَّفق عليه.
 
 وذكر الله –عز وجل- "وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.البقرة، ويتبين أن الرفث هو الجماع والحديث عنه، وأما الفسوق يعني الخروج عن حجر الشرع وضوابطه، وكذلك الجدال يشير إلى المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. 

اضافة تعليق