"لا ضرر ولا ضرار".. ما المقصود حديث الرسول؟

الجمعة، 03 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
امتازت قواعد الشريعة الإسلامية بشموليتها واتساع معناها، بحيث يستطيع المرء أن يعرف من خلالها الحكم الشرعي لكثير من المسائل التي تندرج تحتها، ومن جملة تلك القواعد العظيمة، ما ورد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، فإن هذا الحديث على قصره يدخل في كثير من الأحكام الشرعية، ويبين السياج المحكم الذي بنته الشريعة لضمان مصالح الناس، في العاجل والآجل .
 
وبالعودة إلى لفظ الحديث، سنجد أنه قد نفى الضرر أولًا، ثم نفى الضرار ثانيًا، وهذا يشعر بوجود فرق بين معنى الضرر ومعنى الضرار، وذكر العلماء كلاما مطولا حول ذلك، وأقرب تصور لمعنى الكلمتين: أن نفي الضرر إنما قُصد به عدم وجود الضرر فيما شرعه الله لعباده من الأحكام، وأما نفي الضرار: فأُريد به نهي المؤمنين عن إحداث الضرر أو فعله .
 
ومن هنا، فإن نفي الضرر يؤكد أن الدين الإسلامي يرسخ معاني الرحمة والتيسير، وعدم تكليف الإنسان ما لا يطيق، فلا يمكن أن تجد في أحكامه أمراً بما فيه مضرة، أو نهياً عن شيء يحقق المصلحة الراجحة، وإذا نظرت إلى ما جاء تحريمه في القرآن الكريم أو في السنة النبوية فلابد أن تجد فيه خبثا ومفسدة، مصداقا لقوله تعالى: "ويحرّم عليهم الخبائث". 
 
ومن ناحية أخرى فإن كل ما ورد في الكتاب والسنة من أوامر، فالأصل أنها مقدورة ، داخلة ضمن حدود الطاقة، وإذا عرض للإنسان أحوال تمنعه من إتمام الامتثال بالأمر الشرعي، كأن يلم به مرض أو عجز أو نحوهما، فهنا يأتي التخفيف من الله تعالى، كما في رخصة الإفطار في نهار رمضان، ورخصة الجمع والقصر في الصلاة، وغير ذلك كثير.
 
على أن الضرر المنفي في الدين لا يتناول العقوبة والقصاص؛ لأن عقاب المجرم على جريمته هو السبيل الوحيد الذي يردع الناس عن انتهاك حدود الله، والاعتداء على حقوق الآخرين، بل إن قول: إن هذه الحدود التي شرعها الله عزوجل هي مقتضى العدل والحكمة؛ إذ لا يُعقل أن نغلب جانب مصلحة الفرد على حساب مصلحة المجتمع كله، ولا يُعقل أن ننظر بعين العطف على الجاني، ونتناسى حق من جنى عليهم ، ولذلك يقول الله عزوجل: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون".
 
ولم يقتصر الحديث على نفي الضرر في الشريعة، بل أتبعه بالنهي عن إضرار العباد بعضهم لبعض، فالمكلف منهي عن كل فعل يترتب عليه إضرار الآخرين، سواء قصد صاحبه الإضرار أم لم يقصد.
 
وهذا أصل عظيم من أصول الدين؛ فإن الفرد إذا التزم بصيانة حقوق غيره وعدم الإضرار بها، فإن من شأن ذلك أن تقل المنازعات بين الناس، فينشأ المجتمع على أساس من الاحترام المتبادل بين أفراده.
 
أما إذا تخلى الناس عن العمل بهذا المبدأ، وصار كل إنسان ينظر إلى مصلحته دون أي اعتبار للآخرين، فهنا تحصل الكارثة، وتشيع الأنانية المدمرة، وهذا ما جاء الإسلام بإزالته والقضاء عليه.
 
حرم الإسلام الضرار بكل صوره، وجميع أشكاله، حتى حرم الإضرار بالآخرين منذ ولادتهم إلى حين وفاتهم ، بل وبعد موتهم، فحرم إضرار الأم بولدها، كما قال الله تعالى: "لا تضار والدة بولدها"، وحرم تغيير الوصية بعد سماعها، وحرم إضرار الموصي في وصيته، وحفظ للأموات حقوقهم حتى حرم سب الأموات، فما أعظمها من شريعة، وما أحسنه من دين.

اضافة تعليق