المذهب الحنفي.. مذهب أهل الرأي

الجمعة، 03 نوفمبر 2017 12:00 ص

ويعتبر مذهب الأحناف من المذاهب التي كان لها فضل كبير على الفقه الإسلامي، من خلال تحرير مسائله، وترتيبها  في أبواب، حيث يعد الإمام أبو حنيفة أول من دون علم الشريعة ورتبه أبوابًا، ثم تابعه مالك بن أنس في ترتيب الموطأ، ولم يسبق أبا حنيفة في ذلك أحد، لأن الصحابة والتابعين لم يضعوا في علم الشريعة أبوابًا مبوبة، ولا كتبًا مرتبة، وإنما كانوا يعتمدون على قوة حفظهم، فلما رأى أبو حنيفة العلم منتشرًا، خاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه، فدونه وجعله أبوابا مبوبة، وكتبًا مرتبة، فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة، ثم بسائر العبادات، ثم المعاملات، ثم ختم الكتاب بالمواريث " وهو الأمر الذي اعتمده الفقهاء من بعده.
 
التأسيس
 
وهو دور التأسيس ووضع قواعد المذهب وأصوله الفقهية على يد مؤسسه وتلاميذه المقربين ويشمل هذا الدور عصر الإمام وتلاميذه، ويبدأ من عام 120هـ يوم أن جلس الإمام أبو حنيفة للإفتاء والتدريس بعد وفاة شيخه حمّاد بن أبي سليمان، وإن كانت جذور المذهب تمتد إلى ما قبل ذلك، وينتهي بوفاة آخر الأربعة الكبار من تلاميذه وهو الحسن بن زياد اللؤلؤي 204هـ.
 
 وفي هذا الدور لم يؤثر أن الإمام أبا حنيفة ألف في الفقه، لأن التدوين في الفقه لم يكن معروفاً في زمانه، وكل ما نقل إلينا بعد ذلك من مسائل الأصول كتبه تلاميذه نقلاً عنه، وقد نقل إلينا أصحاب أبي حنيفة فقهه وجمعوا الآراء التي كان يقولها في مجلس تدريسه وأول من دون من تلاميذ أبي حنيفة تلميذه الأكبر أبو يوسف الذي ألف في الأصول والأمالي.
 
 أما أكثرهم اهتماماً بالتدوين فهو الإمام محمد بن حسن الشيباني الذي قام بتدوين ذلك الفقه مما رواه بنفسه عن أبي حنيفة أو مما رواه عن أبي يوسف، وقد كان يضع المؤلف ويعرضه على أبي يوسف.
 
والكتب الأولى التي وضعها الإمام محمد بن الحسن جمعت كلام الإمام وكلام أصحابه أيضًا، وسميت (ظاهر الرواية،  وهي ستة كتب المبسوط  والأصل، والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير، والزيادات وسُمِّيت بظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات فهي متواترة أو مشهورة عنه، وقد جمع الحاكم الشهيد كتب ظاهرة الرواية في كتاب واحد سماه (الكافي)، وقام بشرحه السرخسي في كتابه (المبسوط)، وهو من الكتب المعتمدة عند الحنفية     كما ألف الإمام محمد كتباً أخرى مثل الجرجانيات، والكيسانيات والهارونيات والنوادر، الرقيات، والحجة على أهل المدينة    وألف الحسن بن زياد اللؤلؤي كتاب المجرد منزلة كتب الصاحبين في المذهب والكتب التي كتبت في هذا الدور، وفي مقدمتها كتب الإمام محمد رحمه الله، هي أساس مذهب أبي حنيفة وأصحابه،  وهي التي اشتغل بها علماء الحنفية في الدور التالي بياناً وشرحاً، وعليها عولوا، ومن معينها استقوا.
 
أصول المذهب الحنفي
 
وضع الإمام أبو حنيفة النعمان قواعد المذهب الحنفي بقوله «آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله  أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب -وعدَّد رجالاً- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا». 
 
وتوسع الحنفية في الاستحسان فأورثوا ثروة فقهية كبيرة وقد أجاب فقهاء المذهب الحنفي بأن أبا حنيفة ما كان يرد صحاح الأحاديث ولا حسانها كما يقال بل كان يتشدد في قبول الحديث أو خبر الواحد، عذره في ذلك أنه في الكوفة وكانت مهد الفتن والتحزب السياسي وانشقاق الفرق والبعض يتساهل ويدلس في الرواية وربما افتعلها انتصاراً لأهوائه والكوفة بعيدة عن الحجاز مهبط الوحي ومركز السنة فاحتاط الإمام في قبول الحديث والعمل به احتياطاً لشرع الله.
 
واعتمد المذهب الحنفي على الأسس والمعطيات التالية:
 
1 - القرآن الكريم
 
القرآن الكريم عند الإمام أبي حنيفة هو المصدر الأول والأعلى في مسائل الفقه، لأنه الكتاب القطعي الثبوت، لا يُشك في حرف منه، وأنه ليس يوازيه ولا يصل إلى رتبته في الثبوت إلا الحديث المتواتر، لذلك لا يرى نسخ القرآن الكريم بخبر الآحاد من السنة، وإنما يعمل بها ما أمكن، وإلا ترك السنة الظنية للكتاب القطعي.
 
2 - السنة النبوية 
 
لا يجعل الإمام أبو حنيفة السنة النبوية في رتبة واحدة، بل يُقدم مثلاً السنة القولية على الفعلية، لجواز أن يكون الفعل خصوصية للنبي، ويُقدم السنة المتواترة على خبر الآحاد عند التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما، بل إنه يترك العمل بخبر الآحاد إذا خالف قاعدة شرعية مأخوذة من نص القرآن أو السنة.
 
3 – الإجماع
 
 فما أجمع عليه أصحاب الرسول وما اختلفوا فيه لا يخرج عن أقوالهم إلى أقوال غيرهم، والإجماع: هو اتفاق الأئمة المجتهدين في عصر من العصور بعد انتقال الرسول عن الدنيا على حكم شرعي، والإجماع عند الإمام أبي حنيفة حجة معمول به.
 
4 - قول الصحابي
 
5 – القياس
 
وهو إلحاق فرع بأصل فيه نص بحكم معين من الوجوب أو الحرمة، لوجود علة الحكم في الفرع كما هي في الأصل. والإمام أبو حنيفة يُقدم السنة ولو كان حديثاً مرسلاً على القياس، كما يقدم الحديث الضعيف على القياس.
 
6 - الاستحسان.
 
وهو طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به، وقد بان أن الاستحسان عند الإمام أبي حنيفة ليس اتباعاً للهوى ولا حكماً بالغرض، ولكنه اختيار أقوى الدليلين في حادثة معينة.
 
7- العرف والعادة
 
وهو ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، والأصل في اعتبار العرف دليلاً شرعياً قول ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»، ويكون العرف دليلاً حيث لا دليل شرعي من الكتاب والسنة، أما إذا خالف العرف الكتاب والسنة كتعارف بعض التجار التعامل بالربا، فهو عرف مردود لأنه محادٌّ للشريعة ومخالف لها.
 
وتميز بعدة خصائص نوعية تمثلت في:
 
١ - شورية المذهب.
 
٢ - امتزاج الحديث بالرأي.
 
٣ - استقلاليته بمنهج خاص في أصول الفقه.
 
٤ - اعتداده بالفقه الافتراضي بمحاولة التعرف على حكم الشيء أو الواقعة قبل الوقوع، للعمل بهذا الحكم عند اللزوم.

اضافة تعليق