الجهل والكبر.. آفة دمار الأمم وهلاكها بيديها

الخميس، 02 نوفمبر 2017 12:00 ص

والكبر هو العظمة، ويعرفه الإمام الغزالي: "هو استعظام النفس، ورؤية قدرها فوق قدر الغير ونقيضه التواضع، والجهل قد يكون أخف وطأة من مرض الكبر وعرف الجهل اصطلاحاً أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه والجهل هو عدم العلم بما من شأنه أن يكون معلوماً.
 
 والجهل نقيض العلم، في أن تفعل فعلا بغير علم، ولا يتفق الجهل مع الكبر لكونهما لا يتفقان وتوائم المجتمعات، لذلك يقول الامام الشافعي:
 
تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالماً
وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وإنَّ كَبِير الْقَوْمِ لاَ علْمَ عِنْدَهُ
صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ
 
وقال آخر: كم جاهل متواضع ..ستر التوضع جهله..  ومميز في علمه هدم التكبر فضله .
 
 التكبر عن قبول واتباع الحق
 
ويعد الجهل من الأسباب الرئيسة في إعاقة الدعوة والانصراف عن الحق وردّه والبعد عنه، فالجهل والظلم هما أصل كل شر، والعلم والعدل هما أصل كل خير، والمطّلع على سير الأنبياء يعلم أن سبب مخالفة أقوامهم لهم ومعارضتهم لدعوتهم هو الجهل، كما قال تعالى عن قوم نوح عليه السلام: ﴿ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ وقال عن بني إسرائيل: ﴿ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: 138]  .
 
 والجهل بالله تعالى وبدينه وبحسابه يوم القيامة من أعظم ما يعيق الطالبة عن الاستجابة للحق، ويدفعها إلى الوقوع في المحرمات والمعاصي، ويقول العلماء: (فأصل ما يوقع الناس في السيئات: الجهل، وعدم العلم بكونها تضرهم ضرراً راجحاً، أو ظنّ أنها تنفعهم نفعاً راجحاً، ولهذا قال الصحابة رضوان الله عليهم: كل من عصى الله فهو جاهل)، وقالوا في موضع آخر: (وأما السيئات فمنشؤها الجهل والظلم، فإن أحداً لا يُغفل سيئة قبيحة؛ إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها، ولا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها أو لبغض نفسه لها).
 
 والكبر هو: (استعظام النفس، ورؤية قدرها فوق قدر غيرها)، واستهانتها به إرضاء لنفسها الأنانية المستكبرة التي تريد الاستئثار بالمجد والكبرياء في الأرض، فتستعلي عن طاعة واتباع نصيحة الداعية لها، مهما كان الخير والحق في جانبها، فترى أنها أكبر من أن تستجيب لقولها وتتبع أمرها، ترفعا واستصغارا لهذه الداعي.
 
والكبر من الصفات المذمومة التي توعد الله تعالى أصحابها المتكبرين بالصرف عن آياته، قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146]  أي: ( سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي... كما استكبروا بغير حق أذلهّم الله بالجهل).
 
وقد ذكر الله في القرآن الكريم أمثلة عديدة للمستكبرين الذين صدّهم كبرهم عن اتباعهم الحق، وزعيمهم هو إبليس الذي عصى وتكبر، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34] [10].
 
 وأول من تكبر على الله وخلقه هو إبليس اللعين لمَّا أمره الله تعالى بالسجود لآدم فأبى واستكبر وقال " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " .
 
قال الله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } الأعراف / 11 – 12 .
 
 فالكبر خلُق من أخلاق إبليس ، فمن أراد الكِبر فليعلم أنه يتخلق بأخلاق الشياطين ، وأنه لم يتخلق بأخلاق الملائكة المكرمين الذين أطاعوا ربهم فوقعوا ساجدين .
 
 وللكبر صور عدة منها :
 
1. ألا يقبل الرجل الحق ويجادل بالباطل ، كما ذكرنا في حديث عبد الله بن مسعود " الكبر : بطر الحق وغمط الناس " .
 
 2. أن تعجبه نفسه من جمال أو حسن ، أو ثراء في الملبس أو المأكل فيتبختر ويتكبر ويفخر على الناس .
 
عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة " .
 
آفة الجهل
 
أما الجهل فلكل أمة جُهَّالها ومتخلفوها.. ونسبتهم إلى أهل العلم في أي مجتمع من المجتمعات عالية جداً مهما كان تصنيف هذا المجتمع وترتيبه، لذا تحرص الدول المتحضرة إلى تقليل هذه النسبة وانتشال هؤلاء من هذا المستنقع المميت، فتُنشأ وتعدّ لهم المعاهد والمدارس ودور العلم ودور مكافحة الأمية.. إلى غير ذلك، وحسناً تفعل، لأن الأمة الجاهلة لا يعبأ لها بين الأمم.. بل يصنفها العلماء تصنيفاً أخيراً بين الأمم.
 
والجاهل هالك، لأنه لا يضع الشيء في محله، وكثيراً ما تصدر منه الحماقة، وسوء التصرف، والحماقة لا يتولد منها إلاَّ التهور والضعف وسرعة الغضب والأنفعال وسوء السلوك، وأنه لا يعالج الأمور بالتأني والروية والحكمة والصبر، وإنما يسعى إلى التغيير بحماقته ولكنه سرعان ما يقع في الخطأ والتردي والسقوط.
 
 هذا هو حال الجاهل ، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)).
 
والصحابي الجليل أبو ذر رضي الله عنه أدرك ذلك بحسه النبوي فقال: (العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس لا خير فيهم، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابع فتهلك)[2]، ويقصد بالرابع الجاهل.
 
 وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خِفتُ دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاَّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يَعلم مَن لا يعلم، فإن العلم لا يَهْلِك حتى يكون سراً.
 
لهذا لم يسوِ الله عز وجل بين أهل العلم والجاهلين بقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوي الذِّينَ يَعْلَمُونَ وَالذِّين لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَرَ أُولُوا الألْبَابِ ﴾ .
 
 ونصح أحد العلماء المسلمين بعدم مشاورة سبعة من الناس قائلاً: (سبعة لا ينبغي لذي عقل أن يشاورهم: جاهل، وعدو، وحسود، ومرَّاء، وجبان، وذو هوى، فالجاهل يُضل، والعدو يريد الهلاك، والحسود يتمنى زوال النعمة، والمرائي واقف على رضا الناس، والجبان من دأبه الهرب، والبخيل حريص على المال، فلا رأي له في غيره، وذو الهوى أسير هواه لا يقدر على مخالفته).
 
فالجهل مصيبة المصائب، وآفة الآفات في المجتمعات، فإذا حلَّ الجهل في أمة من الأمم، لا يكون مصيرها إلاَّ الهلاك والبوار، لأنها لا تستطيع على شيء، وعندما لا تستطيع على شيء، فإنها ستكون عرضة دائماً وأبداً لبغي الأعداء..
 
وضرر الجاهل أشد وأنكى على المجتمع من غيره، وقد قيل: (عداوة العاقل أقل ضرراً من مودة الجاهل)، لماذا؟ لأن الأحمق ربما ضر وهو يقدر أن ينفع، والعاقل لا يتجاوز الحد في مضرته، فمضرته لها حد يقف عليه العقل، ومضرة الجاهل ليست بذات الحد، والمحدود أقل ضرراً ما هو غير محدود.
 
 
 
ومعلوم لدى كل مسلم أن أول ما نزل من القرآن على المختار صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ ، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الإسلام يحث المسلمين على طلب القراءة والتعلم والبحث العلمي، لأجل الوصول إلى كل ما هو نافع ومجدي، وهذا من أهم ما يسعى إليه ديننا الحنيف، فليحرص كل مسلم على ذلك، بل إن من واجب أهل الحسبة الأخذ على أيدي الجهلة والأُميين في التعلم وطلب القراءة والكتابة، وانتشالهم من مهاوئ الجهل والتخلف.
 
 وذهاب العلم وانتشار الجهل في الأمة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلاَّ بموت العلماء، فيضطر الناس إلى أن يتخذوا رؤوساً جهالاً لسؤالهم وطلب الفتيا منهم، فيفتونهم بغير علم فيكون سبباً في ضلالهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتَّخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأَضلُّوا)).

اضافة تعليق