أصحاب الصراع ما بين العلمانية ودولة الخلافة.. ولي فيها مآرب أخرى

الخميس، 02 نوفمبر 2017 12:00 ص

ومع مرور الأيام الأخيرة، في حياة الشعوب الإسلامية، وظهور عدد من التيارات الإرهابية المتشدد، والتي أنتجت تنظيما مثل تنظيم الدولة "داعش"، والتصق بالإسلام كل عمل إرهابي متطرف نتيجة أفكار هذا التنظيم،  انفجر السجال على أشده حول "مسألة الخلافة"، وشكل الدولة في الإسلام، هل هي دولة إسلامية أم دولة علمانية؟، خاصة مع الأفكار التي تراود بعض الشباب المغرر به وأملهم في عودة الخلافة وحلمها الذي يخيم على الآلاف من الشباب المسلمين عبر العالم، نتيجة أفكار بعض التيارات الإسلامية التي تشتري ولاءهم مقابل تحقيق هذا الحلم، فمنهم من بايع، ومنهم من أيد من بعيد، ومنهم من يهفو وينتظر.
 
 حتى أن فكرة قيام الحركات الإسلامية الحديثة، ارتبط في مبايعة قطاع عريض من الشباب بفكرة الخلافة، خاصة مع صعود التيار العلماني المعادي لهذه الفكرة، الامر الذي يستغله قيادات التيارات الإسلامية في شحذ همم الشباب المتحمس ناحية هذه الفكرة، والعمل من أجلها، وهو الأمر الذي خلق صراعا سياسيا تستر بستار الدين، دفع الشباب ثمنه من مستقبلهم، وحصد مقابلها أصحاب المصالح مبالغ وثروات طائلة.
 
 سجال فكري
 
 ومع اشتداد الصراع والسجال الفكري، حول فكرة الخلافة وردا على إلغائها، أو سعيا لإحيائها، أو تصحيحا للمسار الذي انتهى بسقوطها، نرى بعضهم جعل من إقامة الخلافة بداية ومدخلا لمشروعه الإصلاحي النهضوي، وبعضهم جعل منه غاية لعمله ومساره عبر مراحل أخرى، كحال جماعة الإخوان المسلمين، وبعضها اعتبر أن مشكلة المسلمين في أساسها وجوهرها ليست قضية خلافة وقضية حكم وسياسة، بل هي قضية أمة ابتعدت عن دينها وتراخت في إيمانها وتدينها، وأن الداء والدواء والمشكلة والحل ها هنا، وهذه هي رؤية جماعة التبليغ وجماعة النور.
 
 وبين هؤلاء وهؤلاء وعلى فترة من الزمن، نشأت جماعات وتيارات وتعبيرات وأحزاب إسلامية أخرى، لا تجعل من الخلافة حلما من أحلامها، ولا مطلبا صريحا من مطالبها، ولكنها استبدلت بها مطالبَ وأهدافا سياسية محددة ذات طبيعة برجماتية، لتحقيق مآرب أخرى.
 
لتتجه دائرة المعركة ناحية أفكار جديدة، حاولت أن تأخذ منحى مختلف لكنها سبحت في نفس دائرة الصراع الدائر، وهي الحديث عن أن هناك حقيقة غائبة فـي الإعــلام الإسلامي ، ألا وهي وجود تقارب بين العلمانية في رفضها للكهنوت والإسلام في رفضه المماثل لادعـاء الحـق الإلهي، وأن الإسلام دين علماني، وهو ما واجه حربا شرسة رفضت هذه الفكرة، وقالت إنها التفاف على الترعيف الحقيقي لكل من العلمانية التي ترفض الدين بشكل كلي، والإسلام كدين ودولة.
 
 وقال أصحاب هذا التيار إن الهدف واحد، سواء في أسلمة العلمانية أو علمنة الإسلام، وهو نزع الخشية الجماهيرية من العلمانية باعتبارها نبتاً غربيّاً غريباً، يراد فرضه على الواقع الإسلامي، في الوقت الذي اعتبر فيه البعض أن تلك العملية مرحلية فقط، وأنها تتم في سياقٍ تكون فيه العلمانية جديدة أو غير متمكنة إلى الحد الكامل؛ مما يسـتـدعـــي القيام بالتمويه والخداع وتصوير الإسلام بأنه علمانية أو العلمانية على أنها الإسلام، ولـكــــن ما أن تتمكن العلمانية فإن الخـطـاب يتغير إلى لغة الإقصاء والإبعاد والرفض، وهذا هو ما تشير إليه، لـيــس فـقــط التـجـــــارب التاريخية القديمة في تركيا أو إيران أو أفغانستان ، بل التجارب الراهنة ، وبالذات في الوسط الثقافي والفكري في بلدان كمصر والجزائر مثلاً.
 
وتساءل المنتقدون لهذه الفكرة، "هل يوجد تقارب بأي درجة بين الإسلام والعلمانية؟ ، وهل يكفي مجرد ذكر رؤوس مواضيع ، يوحى بأن فيها تشابهاً في المواقف للقول بوجود مثل هذا التقارب؟ ، والأهم من هذا كله: هل يوجد تشابه أو تقارب حقيقي في المواقف ، أم إن المسألة لا تعدو عملية تفسير وتأويل وتأول بارعة ماكرة توحي بوجود مثل هذا التـقـــارب؟ وهل فعلاً يوجد تقـارب بـين العلمانيـة والإسـلام لمجـرد ـ مثلاً ـ أن هذه ترفض الكهنوت وهذا يرفضه؟ ".
 
 ما بين العلمانية والدين
 
 ورد عدد من المفكرين المحسوبين على التيار الإسلامي بأن القول برفض العلمانية للكهنوت يخفي حقيقة أن العلمانية ترفض الدين نفسه، وإلا فإن البروتستانتية ـ وهــي مذهب مسيحي كبير ـ ترفض الكهنوت الكنسي ، حتى وهي تدعو في تجلياتها الحديثة إلى أصولية مسيحية طاغية ومتطرفة.
 
 وتساءلوا "هل عندما يرفــض الإســـــلام الكهنوت يرفض معه الدين والعقيدة؟"، مؤكدين أنه لا أحد يستطيع القول بذلك؛ لأن الإسلام نفسه دين، وإذا قلنا إن الإسلام يرفض الكـهـنوت ، فــإن هذا يعني أنه يرفض الأسلوب الكنسي المعروف ، في ضرورة وجود عناصر خاصـة لا تكتمل العبادة ولا ترفع إلا بها ، بل لا يكتمل الدين والإيمان نفسه إلا بمباركتها وتطويبها ، لكن هذا لا يستتبع أبداً رفض وجود فئة من الفقهاء والعلماء تدرس الدين ، عقيدته وشـريـعـتـه ، وتتخصص فيهما ، وتنصح وتوجه غيرها من فئات الأمة التي لا تسمح لها ظروف الحـيــاة وكـفـاحـهـا بمثل هذا التخصص ، لكن هذا لا يمنع أي فرد أو أي جماعة من الدراسة والتخصص والاطلاع على هذا النحو ، فالدين مفتوح ، وهذا هو معنى رفض الإسلام للكهنوت.
 
وقالوا إن العلمانيين عندما يرفعون الصوت عالياً بأن الإسلام يرفض الكهنـوت ، فإنهـم يقصـدون ـ كما تـدل الأحـداث ـ رفض آراء وفتاوى وشروحات الفقهاء والعلماء المسلمين التي تزعجهم؛ لقيامها على العلم الصحيح بالإسلام، موضحين أن الحال ينطبق على إن هناك تقارباً بين الإسلام والعلمانية فيها، كمفهوم الديمقراطية والليبرالية بين الإسلام والعلمانية مثلاً، أو مفهوم العقل فيهما.
 
 وأوضحوا أن الاتجاهين على طرفي نقيض في هذه الناحية؛ فالعلمانية تجعل الإنـســــان (ككائن مجرد مطلق) بديلاً عن الإله الذي رفضته أو أبعدته عن العالم ، وتجعله الواضع لكل القيم والمعايير ، كما تجعله الهدف الأسمى الذي يصب كل شيء في خدمته مهما كـان ، أما الإسلام: فلا يجعل الإنسان على هذه الدرجة أو الكيفية من التأله والإطلاق والغائية ، كما أنه ليس هو واضع القيم العليا والمبادئ الكلية، وهو يستمد تكريمه من خالقه، وليس من مجرد كينونته هو، كـما أن هذا التكريم مقصور على النواحي المادية الدنـيـويـة بالنسبة للجميع ، لكنه في الآخرة يقتصر على المؤمنين المقبولين وحدهم.
 
 متى ظهرت العلمانية؟
 
 يقول الدكتور رياض الصيداوي، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية في جنيف، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إن "مفهوم العلمانية ظهر في الغرب مع اندلاع الثورة الفرنسية حيث خرجت الطبقة البرجوازية ضد النظام الاقطاعي الذي كان متحالفا مع الكنيسة ومتخفيا وراءها".
 
وعرف الصيداوي العلمانية بأنها "إبعاد المؤسسات الدينية عن السياسة وفصلها عن الدولة".
 
وأكد الصيداوي أن "رجال الدين والمتدينين عامة هم أول من يجب أن ينادوا بتطبيق العلمانية لأنهم أول المستفيدين منها وستحررهم من سلطة السياسي"، متابعا: "على مر التاريخ الإسلامي ومنذ عهد الأمويين لم يكن الشق الديني مسيطرا على الشق السياسي، بل العكس هو الصحيح، فالسياسي كان ولا يزال المسيطر والمتحكم في الديني".
 
ويؤكد الصيداوي أن مفهوم العلمانية سُطح وشُوه عربيا من خلال فصيلين أولا: "رجال دين يصورن العلمانية بأنها الكفر والإلحاد"، وثانيا: "نخب تدعي العلمانية وهي هجين تقف مع الديكتاتوريات وتشن الحروب على المتدينين".
 
ويردف أستاذ علم الاجتماع أن "العلمانيين العرب اختلطت عليهم الأمور فأصبحت العلمانية هي سب العروبة والإسلام على عكس العلماني الغربي الذي يقبل بالهوية القومية والديانة المسيحية".
 
 العلمانية والإسلام
 
فيما قال الدكتور عزام التميمي، الاكاديمي والباحث في الفكر الإسلامي، إنه يجب "التفريق بين العلمانية كفكر إيديولوجي والديمقراطية كنظام حكم وإدارة، فالديمقراطية هي أهم نتاج العلمانية، لكنها ليست العلمانية".
 
ويضيف التميمي أن الطريقة التي نشأت بها العلمانية في الغرب تختلف عن الكيفية التي وصلت بها إلى العالم العربي والإسلامي، إذ أن "العلمانية في الغرب كانت وسيلة الغربي للتحرر من قيود الكنيسة، على خلاف العلمانية التي جاءت إلى العالمين العربي والإسلامي من خلال المستعمر".
 
ويرى التميمي أن العلمانية ليست ضرورة في العالم الإسلامي، قائلا: "المشكلة في أوروبا كانت في كنيسة تبيع صكوك الغفران وتحتكر الدين على خلاف الإسلام الذي لا يوجد فيه نظام كهنوتي يحتكر دون غيره الدين".
 
وينتقد التميمي المنادين حاليا بتطبيق العلمانية في العالم العربي قائلا إنهم "جزء من نظام ديكتاتوري يستخدم تلك المفاهيم للهجوم على الإسلام وإقصاء الإسلاميين".
 
ويرى التميمي أن العلمانية لا تنسجم مع الإسلام إذ أن "العلمانية هي نظرة للكون تفصل الأرض عن السماء وتعتبر الإنسان مرجع ذاته"، على حد قوله.
 
 أصحاب فكرة الخلافة
 
 نشأت فكرة الخلافة والمطالبة بالعودة بها في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، بعدما وصل كمال أتاتورك للحكم في تركيا، وقضي على الخلافة العثمانية التي كانت تجمع تحت مظلتها معظم الأقطار الإسلامية..عندها أحس كثير من المسلمين بنوع من التيتم والضياع، ومن يومها أصبح التطلع إلى عودة الخلافة حلما يراود أذهان الكثير.
 
وأصبحت قضية "استعادة الخلافة" من أكثر القضايا التي تشغل الحركات الإسلامية المعاصرة، وفجأة في الأيام الأخيرة، عاد هذا الشعار إلى الساحتين الإعلامية ثم العلمية، وانفجر السجال على أشده حول "مسألة الخلافة"، وكثر الجدال الفقهي والفكري حول عودة الخلافة، ليستغلها قطاع كبير من قيادات التيارات الإسلامية في تحقيق مآربهم للوصول إلى الحكم.
 
 كما كثر رواية الأاحاديث التي تتحدث عن الخلافة، ومنها ما رواه الإمام أحمد وغيره، وهو عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة". 
 
وقال الفقهاء إن هذا الحديث، لا يخلو من هشاشة في ثبوته وصحته، وأقصى ما يقوله فيه أهل الاختصاص هو أنه "حَسَنُ الإسناد". ومثل هذا لا يبنى عليه شيء من الأحكام الغليظة والأمور الجسيمة، وقصارى ما يصلح له هو التبشير وبث الأمل، أما إذا جد الجد وعظمت الأمور، فلا بد من أدلة صحيحة متينة، وإلا فلا، كما أن هناك حديث آخر في الموضوع، وهو في مثل درجة هذا أو أعلى منه، وأعني به حديثَ سفينةَ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ مُلكه من يشاء». فهذا الحديث لم يذكر خلافة ثانية تأتي وتكون على منهاج النبوة بعد الخلافة الأولى.
 
 كما أن الحديثين ليس فيه أمر ولا نهي، أي ليس فيه تكليف بشيء. فمن ادعى أنه بإعلانه الخلافة وتبعاتها الخطيرة قد قام بما أوجب الله عليه، فليخبرنا أين كلفه الله بهذا؟ ومن أين له هذا الوجوب؟ وإلا فهو دعي، ومن الذين يفعلون ما لا يُؤمرون.
 
 وأما إذا جئنا إلى مسمى الخلافة الراشدة، أو "الخلافة على منهاج النبوة" فمن صفاتها التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما خلافة "داعش"، فيراد فرضها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه.
 
الخلافة المعلنة مؤخرا (خلافة داعش "تنظيم الدولة الإسلامية") فليس تحت سيطرتها حتى واحد من ألف من المسلمين ومن بلاد المسلمين، كما أن خليفة المسلمين المزعوم، فلا ندري من بايعه ومن اختاره؟ وما قيمتهم ومكانتهم في الأمة الإسلامية؟ والذي نعلمه ولا نشك فيه هو أن صاحبنا بايعه حفنة من أصحابه وأعوانه، وهذا قد يخوله أن يكون أميرا عليهم في شؤونهم الخاصة، وأما أن يصبح بذلك خليفة للمسلمين، فدونه ما بين السماء والأرض.
 
فضلا عن أن الخلافة على منهاج النبوة كانت قائمة على تحقيق المعاني والمقاصد والأعمال، وليس على الشعارات والبيانات، والمظاهر والألقاب. نقل الإمام البغوي في "شرح السنة"، عن حميد بن زنجويه "أن الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، فإذا خالفوا السنة، وبدلوا السيرة، فهم حينئذ ملوك، وإن كانت أساميهم الخلفاء". 
 
كما أن الشرع جاء بالعدل وأوجبه في كل المجالات، وجاء بالإحسان وكتبه على كل شيء، وجاء بالشورى والمشروعية ومنع الاستبداد، وجاء بالإيثار وذم الاستئثار، وجاء بالمساواة والتواضع وتحريم التجبر والطغيان، وجاء بحفظ الأموال العامة وألا تُقرب إلا بالتي هي أحسن، وحرم التخوض فيها بأي استئثار أو اختلاس أو تبذير أو محاباة، وجاء بنصرة الضعفاء وتمكينهم من حقوقهم وكرامتهم وحاجاتهم، وجاء بردع الأقوياء، ومنعهم من البغي والاعتداء، وجاء لتحقيق الأمن ورفع الخوف.

اضافة تعليق