"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها".. أحكام الشريعة الإسلامية واجبة 

الخميس، 02 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
فمن خلال الحديث، يمكن ملاحظة ما فيه من استيعاب لأحكام الشريعة الإسلامية، وما فيه من توضيح لطبيعة هذا الدين وحقيقته؛ ولأجل ذلك أولى العلماء هذا الحديث اهتماما بالغا قادهم إلى دراسته واستخراج معانيه، وبلغ بهم أن قالوا عن هذا الحديث: "ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من هذا الحديث".
 
وبالنظر لهذا الحديث، فإنه سنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد لنا معالم هذا الدين وطبيعته، فعبر عن شرع الله بألفاظ أربعة: الفرائض والمحارم، والحدود والمسكوت عنه، وترتبط هذه الألفاظ ارتباطا وثيقا محكما، لترسم لنا التصور الصحيح للمنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم في هذه الدنيا .
 
كانت أول قضية يتناولها الحديث بيان موقف المكلف نحو ما يرد عليه من الأوامر في الكتاب والسنة فقال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها"، إنه توجيه إلى عدم التفريط في أداء الفرائض، والفرائض هي الواجبات الشرعية التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها، ومنها ما يكون واجبا على كل أفراد الأمة، وهو ما يسمى بالفرائض العينية، ومنها ما هو واجب على الكفاية، أي: إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين .
 
فهذه الفرائض بنوعيها واجبة على كل مكلف مادام مستطيعا، وإذا ورد الأمر من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وسلّم فلا مجال لرده أو عدم تنفيذه؛ لأن هذا هو مقتضى إيمان العبد بالله ورسوله، كما قال الله تعالى في كتابه: "وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين"، فهذه الطاعة هي عنوان العبودية والتسليم لحكم الله وشرعه .
 
وبتأمل نصوص الوحيين سنجد أنه جاء التعبير عن الفرض بكلمة أخرى هي الواجب، والحقيقة أنه لا فرق بين هذين اللفظين من حيث العمل، فكلاهما لازمٌ أداؤه، لكن ذهب بعض أهل العلم إلى التفريق بينهما من ناحية المرتبة، فجعلوا ما ثبت عن طريق الكتاب فرضا، وما ثبت عن طريق السنة واجبا، وبعضهم جعل الفرض أعلى رتبة من الواجب؛ لأن الفرض عندهم هو ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بالظن، وعلى أية حال فإن هذا تفريق اصطلاحي لا يؤثر على حكم العمل بهما .
 
أما فيما يتعلّق بالمحرمات، فأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تركها فقال: "وحرم أشياء فلا تنتهكوها"، فدعا إلى ترك المعاصي بجميع أنواعها، وإنما عبر هنا بلفظ الانتهاك؛ ليبين ما عليه حال من يقارف المعاصي من تعد وعدوان على أحكام الله عزوجل، فأتى بهذه اللفظة للتنفير عن كل ما نهى الله عنه.
 
ولما كان مدار التكليف كله على فعل المأمور وترك المحذور، والتقيد بأحكام الشريعة، والالتزام بما ورد فيها، والوقوف عند حدودها وعدم تجاوزها، أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "وحد حدودا فلا تعتدوها".
 
والحدود لفظة وردت في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، ولها مدلولات كثيرة بحسب ما تتعلق به، ففي الأوامر: يكون الوقوف عند حدود الله بعدم الخروج عن دائرة المأذون به إلى دائرة غير المأذون، وأما فيما يتعلق بالنواهي فيحرم مجرد الاقتراب منها؛ لأن الله تعالى إذا حرم شيئاً، حرم كل ما يؤدي إليه، وتلك هي خطوات الشيطان التي جاء التحذير منها في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر".
 
فإذا كان هذا هو موقف المسلم تجاه ما ورد بيانه في الشريعة، فما هو موقفه تجاه ما سكت عنه الشرع ولم يوضح حكمه ؟ وللجواب عن هذا نقول: إذا لم يرد نص في حكم مسألة ما، فإننا نبقى على الأصل، وهو الإباحة .
 
وهذا هو السكوت المقصود في قوله: "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها"، إنه سكوت عن إظهار حكمه، ومقتضاه أن يكون باقيا على أصل إباحته، وليس معنى هذا جواز الابتداع في الدين والزيادة فيه، بحجة أنه مسكوت عنه؛ فإن الابتداع ليس مسكوتا عنه، بل هو محرم كما دلت الأدلة على ذلك .
 
ومما سبق يتبين معاني تلك الألفاظ الأربعة، والتي ترشد إلى القيام بحقوق الله ولزوم شريعته، مع العفو عما سُكت عنه، فدخل الدين كله في تلك الكلمات القليلة الجامعة المانعة .

اضافة تعليق