هذا الشعب المهذب.. بقلم عماد الدين حسين

الأربعاء، 01 نوفمبر 2017 12:00 ص

اللافتة ليست مجرد شعار أجوف، أو حتى ارشادات مرورية بل وجدتها مطبقة فى كل الأماكن التى ذهبت إليها من طوكيو إلى هيروشيما ومن ياكوهوما إلى كيوتو وأوساكا. هى تعكس سلوكا عاما وقاعدة أخلاقية مهمة، وهى أن تفكر فى غيرك قبل نفسك.
 
زيارة اليابان تجعلك تسترد الثقة فى أن ما يميز بين الناس هو أخلاقهم وسلوكهم وليس نقودهم ونفوذهم. أدب اليابانيين ملفت لنظر الجميع، بل ويتعب ويحرج غيرهم.
 
كنت أعتقد أن الانحناءة اليابانية الشهيرة موجودة فقط لدى الكبار، أو حتى مجرد مزحة و«تيمة» سينمائية، لكن الواقع أنك تراها دائما. اليابانى يشكرك حتى لو لم تفعل له شيئا. ينحنى لك، عندما يستقبلك وعندما يودعك.
 
دخلت مطعما وجلست، وعندما جاءت النادلة، جثت على ركبتيها، كى تستمع إلى طلبى، وتفسير ذلك انه من قواعد الاحترام، ان تكون العيون فى مستوى واحد.
 
كلمة هاى بكسر الألف وتنطق «هيى»، يقولها اليابانى كل ثانية تقريبا، بقوة وحسم وصوت عال، وهى تعنى تمام أو موافق أو طيب أو اوكيه.
 
فى معظم الشوارع، هناك خط ببلاط أصفر، مخصص للمكفوفين، وموجود اساسا فى محطات القطارات والمترو. كما ان بعض الإشارات المرورية ناطقة بموسيقى معينة، لتجعل المكفوف يعرف لون الإشارة، ومتى يعبر ومتى يتوقف. وفى كل دورات المياه الكبرى فى الفنادق ومحطات القطارات، جزء مخصص لذوى الاحتياجات الخاصة.
الشوارع تكون قطعة من الحرير، الرصيف يبدو وكأنه لوحة بألوان مختلفة. لا توجد مطبات أو التواءات أو حفر.
 
ويوم الأربعاء الماضى هطلت الأمطار بغزارة، وكان على أن أنتقل بين مجلس الوزراء، والوكالة اليابانية للتعاون الدولى «جايكا»، لكن لم أشعر بالمرة بوجود الأمطار، لوجود شبكة تصريف نموذجية، وطالما تحمل «مظلة» فأنت فى أمان تام وحتى حذاءك لن يبتل طالما التزمت بالسير على الرصيف.
 
وشأن معظم الأمم المتحضرة، فإن اليابانيين ملتزمون بإشارات المرور بصورة صارمة. والأمر ليس صدفة، بل تربية مستمرة، يتعلمها تلاميذ المدارس من أول الحضانة وحتى الثانوية، حيث يسيرون ويقفون فى طوابير، فى كل مكان، من اول طابور التاكسى حتى دفع النقود فى محلات التسوق. هم لا يطنطون بشعارات جوفاء، ولا ينظمون «أسبوعا للمرور، وشهرا للالتزام به، وعاما للاحتفال به»، من دون أن يتم تنفيذ أى شىء!!
أنت حر طالما التزمت بالقانون، وإذا خالفته «فنهارك أسود من قرن الخروب». يوم الأربعاء الماضى كنت داخلا إلى مقر مجلس الوزراء لمقابلة المستشار الخاص لرئيس الوزراء شينزو آبى. وفوجئت برجل يحمل ميكروفونا عالى الصوت جدا، ويتحدث منفعلا باليابانية. وعرفت انه يحتج على احتمال انضمام بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة إلى الائتلاف الحكومى. هو من حقه التعبير عن رأيه، لكن شرط ان يقف على مسافة معينة من المكان، ولا يعوق حركة المرور أو يهدد احدا.
 
تخيلوا مصير أى مواطن عربى يفكر بإمساك ميكروفون أمام مقر أى مسئول بارز؟!
 
التفوق والتقدم اليابانى لم يأت من فراغ، لكنه حصيلة عوامل كثيرة منها، نظام التعليم الجيد والجدية والقانون، والانضباط الشديد فى العمل واتقانه بصورة تجعل بعض الخبراء يقولون إن اليابانيين وبعض دول جنوب شرق آسيا مصابون بداء الإفراط فى العمل.
هذا «القيم الآسيوية»، تصيب الغرب بالهلع، وبأمل أن يؤدى انتشار العولمة الغربية إلى سيادة النمط الاستهلاكى، الأمر الذى يوقف هذا التقدم الآسيوى المتنامى.
 
الشوارع اليابانية تكاد تكون خالية تماما بعد التاسعة مساء. وباستثناء المنطقة التجارية فى قلب طوكيو أو اوساكا وبعض المدن الكبيرة، فإن الجميع ينام مبكرا ويصحو مبكرا. ويبدو أننا وحدنا الذين لا ننام، ونعتبر ذلك «جدعنة ومرجلة»!!
 
ولا يعنى كل ما سبق أن اليابانيين مجموعة من الملائكة، هم بشر عاديون، لكنهم أجبروا أنفسهم على الانضباط والاتقان والنظام وتطبيق القانون على الجميع. لديهم تحديات بفعل العولمة ووسائل التواصل الاجتماعى ويخشون أن يؤثر الجانب السلبى فيها على المميزات الموجودة عندهم. يحاولون طوال الوقت معرفة مشاكلهم، ويبحثون عن حلول لها وأخطرها على الاطلاق قلة نسبة الشباب وارتفاع نسبة كبار السن.
 
لا أريد أن أبدو «مستلبا» أمام النموذج اليابانى لكن الحقيقة هو شعب يجبرك على تقديره والانحناء له حبا واحتراما.

اضافة تعليق