محارب التغريب.. الشيخ محمود شاكر

الإثنين، 30 أكتوبر 2017 12:00 ص

محمود محمد شاكر بن أحمد عبد القادر من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، وحيث ولد في الإسكندرية 1 فبراير سنة 1909 م، ثم انتقل إلى القاهرة في نفس العام مع والده إذ عُيّن والده وكيلا للجامع الأزهر، وكان قبل ذلك شيخًا لعلماء الأسكندرية.
 
وكان يقضي أوقاتًا كثيرة في الجامع الأزهر فقد سمع من الشعر، وحفظ في صغره ديوان المتنبي كاملا في تلك الفترة، وحيث لحبه للغة العربية  فضل أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية لما شعر به من أهمية "الكلمة" في تاريخ أمته قديمًا، فلا بد أن يكون لها الدور الأكبر في مستقبلها. 
 
وأثرت محاضرات طه حسين في الجامعة على اسماع شاكر التي تطرق للشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن اطلع عليه بحذافيره في مجلة استشراقية في مقال بها للمستشرق الإنجليزي مرجليوث. 
 
وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، وصاحبنا عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه، وظل على ذلك زمنا لا يستطيع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.
 
وكما تولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الدراسة في الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية لأنه لم يعد يثق بها، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى جدة سنة 1928 مهاجرا، وأنشأ هناك ـ بناء على طلب الملك عبد العزيز آل سعود ـ مدرسة جدة السعودية الابتدائية عمل مديرًا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة سنة 1929.
 
بعد عودته من جدة، إلى القاهرة، انصرف إلى الأدب والكتابة وقراءة دواوين الشعراء حتى صارت له ملكة في التذوق، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء"؛ لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد. 
 
وتعمق في فهم أبيات الشعر؛ فبدأ بإعادة قراءة ما وقع تحت يده من الشعر العربي، قراءة تختلف عن الأولى في أنها متأنية تتوقف عند كل لفظ ومعنى محاولا أن يصل إلى ما قد يكون أخفاه الشاعر في ألفاظه بفنه وبراعته، وهذا هو أساس منهج التذوق الذي جعله منهجًا شاملًا يطبقه على كل الكلام شعر، فأقدم على قراءة تفسير كتاب الله، إلى علوم القرآن، إلى دواوين الحديث، إلى ما تفرع منها من كتب مصطلح الحديث والجرح والتعديل وغيرها من كتب أصول الفقه وأصول الدين، وكتب الملل والنحل، ثم كتب البلاغة والنحو والتاريخ، بحيث يكون اتجاهه من الأقدم فالأقدم، ومع تطبيقه لأسلوب التذوق كان يقرأ كل التراث على أنه إبانة عن خبايا كاتبه. 
 
يعتبر شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي، وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان، وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري، وكما أنه لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وعلق عليه"، وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي "هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محرراً؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه".
 
خاض معركتين ضخمتين مع رموز أدبية؛ كـ  طه حسين والأخرى مع لويس عوض كانتا من أبرز معالم حياته الأدبية والفكرية، وكانت هاتان المعركتان بسبب شاعرين كبيرين من شعراء العربية هما المتنبي والمعري.
 
وقد خاض الأولى مع أستاذه "طه حسين"، والاخرى مع "لويس عوض المستشار الثقافي للأهرام، وكانت الأخيرة أوسع مجالاً، حيث دخلها عدد من الأطراف بالنيابة عن الطرف الأصيل، ويتوضح ان سبب هاتين المعركتين؛ أن النشأة الجادة التي تميز بها محمود شاكر بحيث لا يسكت على السطو على أعمال الآخرين، والأمر الآخر موقفه المبدئي من الحضارة الغربية وموقفها من الحضارة الإسلامية؛ فهو يراها –الحضارة الغربية- تسعى بكل ما أوتيت من أسباب ومكر وسطوة وإغراء وإغواء، إلى القضاء على هوية الأمة المسلمة، ومسخ حضارتها، ومواريثها، وإلحاقها بحضارة الغرب، حضارة الخراب والدمار. 
 
 

اضافة تعليق