النذر كاليمين لا يستحب وليس حرام

الإثنين، 30 أكتوبر 2017 12:00 ص

يُعد النذر شرعًا إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئًا غير لازم عليه بأصل الشرع، ولا خلاف بين الفقهاء في صحة النذر في الجملة، ووجوب الوفاء بما كان طاعة منه؛ لقوله تعالى"وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ" (الحج: 29)، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ" رواه البخاري.
 
وكما يصح النذر في العبادات المقصودة؛ وهي التي شرعت للتقرب بها، وعلم من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق إيقاعها عبادة؛ كالصوم، والصلاة، والصدقة، والحج، والاعتكاف، والعتق، والذبح: فهذه تلزم بالنذر بلا خلاف، ولكن الواجبات التي أوجبها الشرع الشريف لا يصح نذرها؛ لأنها واجبة بإيجاب الشرع؛ فلا معنى لالتزامها، وذلك كنذر الصلوات الخمس وصوم رمضان.
 
واعتبر الفقهاء في صيغة النذر أن تكون باللفظ ممن يتأتى منهم التعبير به، وأن يكون هذا اللفظ مشعرًا بالالتزام بالمنذور؛ وذلك لأنَّ المُعَوَّل عليه في النذر هو اللفظ؛ إذ هو السبب الشرعي الناقل؛ لذلك المندوب المنذور إلى الوجوب بالنذر، فلا يكفي في ذلك النية وحدها بدون اللفظ.
 
ولا خلاف بين الفقهاء في أن من نذر فصرح في صيغته اللفظية أو الكتابية بلفظ (النذر) أنه ينعقد نذره بهذه الصيغة، ويلزمه ما نذر.
 
وإنما الخلاف بينهم في صيغة النذر إذا خلت من لفظ (النذر)؛ كمن قال: لله عليَّ كذا، ولم يقل نذرًا، وعما إذا كان ينعقد نذره بهذه الصيغة ويلزمه ما نذر أم لا؟ على اتجاهين:
 
يرى أصحاب الاتجاه الأول أن النذر ينعقد ويلزم الناذر وإن لم يصرح في صيغته بلفظ النذر إذا أتى بصيغة تفيد التزامه بذلك، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهو المعتمد في الفتوى؛ وذلك كقوله: إن شفى الله مريضي، أو رزقني ولدًا فلله عليَّ إعتاق أو صوم أو صلاة، فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم، ولو قال: فعليَّ، ولم يقل: فلله علي، فالصحيح: أنه كذلك، وقيل: لا بد من التصريح بذكر الله تعالى، ولو عقب النذر بالمشيئة فقال: لله علي كذا إن شاء الله تعالى، لم يلزمه شيء.
 
وكما يرى الاتجاه الثاني أن النذر لا ينعقد إلا إذا صرح في صيغته بلفظ النذر، وهو قول آخر لسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد.
 
ويقوم مقامَ اللفظ: الكتابةُ المقرونة بنية النذر، أو بإشارة الأخرس المفهمة الدالة أو المشعرة بالتزام كيفية العقود؛ وإذا صح النذر لزم الوفاء به، والمعتبر فيه مقتضى ألفاظ الالتزام.
 
اختلف الفقهاء في حكم أكل الناذر من النذر؛ فذهب الحنفية والشافعية، وهو المفتى به، إلى عدم جواز أكل الناذر من المنذور مطلقًا؛ قال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (2/ 226، ط. دار الكتب العلمية) "وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ دَمِ النَّذْرِ شَيْئًا، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الدِّمَاءَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَهُوَ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَنَوْعٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَهُوَ دَمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَهَدْيُ الْإِحْصَارِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ دَمُ شُكْرٍ فَكَانَ نُسُكًا، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَدَمُ النَّذْرِ دَمُ صَدَقَةٍ، وَكَذَا دَمُ الْكَفَّارَةِ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ".
 
وقال الإمام العمراني الشافعي في "البيان" (4/ 458-459، ط. دار المنهاج) "فإن كان نذر مجازاة، بأن قال: إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي فعلي لله أن أهدي أو أضحي شاة لم يجز له أن يأكل منها؛ لأنه لزمه على وجه المجازاة، فهو كجزاء الصيد، وإن كان بغير مجازاة، بأن يقول ابتداء: علي لله أن أهدي أو أضحي شاة، وقلنا: يلزمه، على المذهب، فهل يجوز له أن يأكل منها؟ فيه ثلاثة أوجه:
 
أحدها: لا يجوز؛ لأنه دم واجب، فلم يجز أن يأكل منه، كدم الطيب واللباس.
 
والآخر يجوز؛ لأنه وجب بفعله، فأشبه الهدي والأضحية المتطوع بهما؛ لأنهما وجبا بفعله.
 
وأخيرًا حكاه في "المهذب" أنه يجوز له الأكل من الأضحية دون الهدي؛ لأن الأضحية المطلقة في الشرع، وهي المتطوع بها يجوز الأكل منها، وأكثر الهدايا في الشرع لا يجوز الأكل منها فحمل مطلق النذر على ذلك، فإذا قلنا: لا يجوز له الأكل، فخالف وأكل؛ ضمنه.
 
وذهب الحنابلة إلى عدم جواز أكل الناذر من الذبيحة المنذورة، عدا الأضحية فيجوز له الأكل منها؛ قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 465، ط. مكتبة القاهرة): (قَالَ: (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إلَّا مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ)، الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ مَا سِوَاهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. 
 
وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ تَرَكَ ذِكْرَ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ مُتْعَةٌ؛ وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ؛ فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَنْذُورِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ بَدَلٌ، وَالنَّذْرُ جَعَلَهُ للهِ تَعَالَى بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا".
 
وقال أيضًا في "المغني" (8/ 642): "وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ ذَبَحَهَا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ الأَكْلَ مِنْهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَد، وَبَنَاهُ عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُور، وَلَنَا أَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْ الأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُهَا وَالأَكْلُ مِنْهَا، وَالنَّذْرُ لا يُغَيِّرُ مِنْ صِفَةِ الْمَنْذُورِ إلا الإِيجَابَ، وَفَارَقَ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، لا يَجُوزُ الأَكْلُ مِنْهُ، فَالْمَنْذُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، بِخِلافِ الأُضْحِيَّةِ".
 
وذهب المالكية إلى أن الناذر إن عيَّن النذر للمساكين باللفظ أو بالنية؛ فلا يجوز له الأكل منه، وإن لم ينذر أو ينوِ يجوز له الأكل منه؛ قال الشيخ عليش المالكي في "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (1/ 207، ط. دار المعرفة) "وَسُئِلَ سَيِّدِي أَحْمَدُ الدَّرْدِيرِيُّ بِمَا نَصُّهُ: وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ نَذَرَ للهِ أَوْ لِوَلِيٍّ شَاةً الْأَكْلُ مِنْهَا وَإِطْعَامُ الْغَنِيِّ أَوْ لَا أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ للهِ، النَّذْرُ إنْ عَيَّنَهُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ جَازَ الْأَكْلُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا الْأَغْنِيَاءَ".
 
حكم الإقدام على النذر: قال في "المغني": لا يستحب؛ لأَنَّ ابن عمر روى عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه نَهى عن النذر، وأنَّه قال"لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن الْبَخِيلِ"، وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا، لمَا مَدَح المُوفِين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرَّم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبًّا، لفعله النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأفاضل أصحابه.
 
حكم النذر بعد وقوعه: وجوب الوفاء به متى كان صحيحًا مستكملاً للشرائط؛ لقول الله - تعالى"وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ" (الحج: 29)، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ"، وهذا الحكم إنَّما هو بعد وقوعه؛ لأن الناذر قد أوجبه على نفسه.
 
فبذلك يكون الوفاء بالنذر المشروع واجبًا ما توفرت الاستطاعة، وكفارة النذر كفارة يَمين في الأحوال التي يجب أو يجوز فيها للناذر أن يكفِّر عن نذره، فإنَّ كفارته حينئذٍ هي نفسها كفارة اليمين، وحيث قال في "المغني" "النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلاَّ في لزوم الوفاء به إذا كان قربة، وأمكنه فعله".  
 
ودليل هذا الأصل قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأخت عقبة، لما نذرت المشي فلم تطقه "ولتكفر عن يمينها"، وفي رواية"فلتصم ثلاثة أيام".

اضافة تعليق