"فعليكم بسنتي".. حياة الرسول هداية للمؤمنين 

الأحد، 29 أكتوبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
خلال ثلاث وعشرين سنة، لم يدخر النبي صلى الله عليه وسلم جهدا في تربية الناس وإرشادهم، فكانت حياته صلى الله عليه وسلم هداية للناس، ونورا للأمة، يضيء لهم معالم الطريق، ويبين لهم عقبات المسير وصعوباته .
 
وظل النبي الكريم على هذا المنوال طيلة حياته، حتى جاء ذلك اليوم الذي نزل عليه قوله تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"، حينها أدرك دنوّ أجله، وازداد يقينا بذلك حينما خيره الله بين البقاء في الدنيا والانتقال للدار الآخره، وتكاثرت الإرهاصات الدالّة على قرب لحوقه بربه، فأدركته الشفقة على أمته من بعده، وأراد أن يعظهم موعظة نافعة، ووصية جامعة، تعطيهم منهاجا متكاملا للتعامل مع ما سيمر بهم من فتن، وما قد يبتلون به من محن، فتكون هذه الوصية لهم بمثابة طوق النجاة في بحر الحياة الخِضم .
 
وكان لهذه الموعظة العظيمة أكبر الأثر في تلك النفوس الكريمة والمعادن الأصيلة، لقد استشعروا في هذه الوصية قرب فراق نبيهم للدنيا؛ ولذلك ذرفت عيونهم وخفقت قلوبهم ، وأحسوا بعظم الموقف مما جعلهم يقولون: "يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا ".
 
وطلبوا منه وصية تكفيهم من بعده، وتكفل لهم البقاء على الجادة، وصحة المسير، فجاءتهم الوصية النبوية بتقوى الله؛ فإنها جماع كل خير، وملاك كل أمر، وفيها النجاة لمن أراد في الدنيا والآخرة .
 
ثم أتبع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ببيان حقوق الإمام التي كفلها الشرع، فقال: "والسمع والطاعة - أي: للأمير، وإن تأمر عليكم عبد"، فالسمع والطاعة حقان من حقوق الإمام الشرعي كما قال الله عزوجل: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، وعن أم الحصين رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله، واسمعوا وأطيعوا وأن أمر عليكم عبد حبشي مجدع، ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل"، وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على ذلك .
 
وعلى الرغم من دخول السمع والطاعة للإمام في باب التقوى، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرده بالذكر؛ تأكيدا على أهميته، وعظم شأنه وخطره، لكن ثمة أمر ينبغي أن نلقي الضوء عليه، وهو أن هذه الطاعة التي تلزم للإمام الشرعي مشروطة بأن تكون موافقة لأحكام الشرعية، وليست مستقلة بنفسها، فإذا تعارض أمره مع شرع الله ورسوله فلا تجب طاعته في ذلك، ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف".
 
وذكر العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن تأمّر عليكم عبد" أمران، الأول: أن ذلك من باب الإخبار بالأمور الغيبية، حين تسند الولاية إلى غير أهلها، وتوضع في غير موضعها، فهنا يجب له السمع والطاعة درءا لحدوث الفتن، والثاني: أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر جاء من باب ضرب المثل، وذلك كقوله في الحديث الآخر: "من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة أو أصغر، بنى الله له بيتا في الجنة"، ومفحص القطاة أقل من أن يتسع لفرد، وأصغر من أن يكون مسجدا .
 
ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن اختلاف أمته من بعده، وكيفية النجاة من هذا الاختلاف، لقد قال: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"، إنها إشارة إلى ما سيؤول إليه أمر الأمة من تفرق يوهن قوتها، وابتعاد عن الهدى والحق، فوصف الداء وبين الدواء، وأرشدها إلى التمسك بسنته، وسنة خلفائه الراشدين من بعده، الذين منّ الله عليهم بالهداية ومعرفة الحق، والاستقامة على المنهاج النبوي، حتى صار عصرهم أنموذجا رفيعا يقتدى به .
 
وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفهم تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم الله على التزام هديهم عندما قال: "عضّوا عليها بالنواجذ"، والنواجذ هي آخر الأضراس، فهي إذا كناية عن شدة التمسك وعدم الحيدة عن هذا الطريق .
 
هذه النصيحة النبوية لتحمل في ثناياها التصور الواضح والتأصيل الشرعي الصحيح الذي ينبغي على المسلم أن ينتهجه في حياته، وبذلك تزداد الحاجة إلى تأمل هذا الحديث واستخراج معانيه العظيمة.

اضافة تعليق