أيمن الجندى يكتب: فاطمة الزهراء

السبت، 28 أكتوبر 2017 12:00 ص

وها هى ذا فاطمة الزهراء تتبتل فى العبادة، وتتجرد تجرداً تاماً من متاع الدنيا. ولا عجب فإنها بنت أبيها. اعتاد الرسول إذا قدم من سفر أن يبدأ بالمسجد (لاحظ الترتيب) فيصلى فيه ركعتين، ثم يذهب لبيت فاطمة، ثم يأتى بيوت نسائه. لكنه ذات مرة دخل عليها فشاهد بعض المتاع الثمين عندها، فخرج وقد ظهر الغضب فى وجهه، ففطنت فاطمة أنه تغير لما رأى القرطين والقلادة، فنزعت قرطيها والقلادة، وبعثت بكل ذلك إليه ليجعلها فى سبيل الله. فقال النبى: «قد فعلت. فداها أبوها (ثلاث مرات). ليست الدنيا من محمد ولا آل محمد».
 
■ ■ ■
 
عن الزهراء أكتب اليوم، عن الحبيبة بنت الحبيب، عن التقية، الطاهرة النقية، الحوراء الأنسية. سلام عليك من أهل بلد تيّمهم حبك، واحتضنوا آل بيتك، منذ أن استقبل المصريون ابنتك زينب بالشموع والدموع بعد مذبحة كربلاء! ومنذ ذلك الحين، وعلى امتداد أربعة عشر قرنا كم احترقت قلوب فى حب الحسين، واخضرّ عود النعناع فى كل غيط، وهو يعلم أنه سيعطر أكواب الشاى التى سيشربها المداحون فى ليالى الذَكر! مصر العامرة بحبكم، الخضراء بودكم، المقيمة على عهدكم، المحروسة ببركتكم، المعمورة بذرياتكم، المحفوظة بدعائكم، أحياؤها بأسمائكم: الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة وباقى ذرارى آل البيت، تتضوع حواريها بعطركم، وتشهد طرقاتها بمحبتكم، وترفرف فى هوائها أعلامكم، يا سليلة المجد، يا أصيلة العرق، يا عريقة النسب.
 
إذ كيف نمدح من نصفها محمد ونصفها خديجة وزوجها علىّ وأولادها الحسن والحسين، وابنتها زينب رئيسة ديوان أهل الحب، وصغيرتها أم كلثوم زوجة الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه؟!
 
على كتف أبيك حُملتٍ، وفى حجره تربيت، ومن عطفه ارتويت، وبحبه اكتفيت، نشأت نشأة جدّ واعتكاف، ووقار واكتفاء، وشرف لا تنازعك فيه واحدة من بنات حواء. فى مهد الإيمان ترعرعت، قوية النفس، ضعيفة الجسد، فلم تجد الراحة إلا فى القنوت، والركوع والسجود.
 
■ ■ ■
 
فاطمة بنت محمد، قصيرة العمر، طويلة الأثر، الصغرى المدللة لأبيها الحنون. أب مات أبناؤه على عينه، فلم تبق له إلا فاطمة. وبرغم تلك المحبة الخارقة، إلا أنه أبى أن يميزها بشىء عن عامة المسلمين، فزوّجها لعلىّ وما لها من جهاز غير سرير ووسادة حشوها ليف وإناء وسقاء ومنخل وقدح ورحاءين وجرتين!.
 
وأكثر من هذا؟ زارها يوماً وهى مريضة، فوجدها تطحن بالرحى، وعليها كساء من وبر الإبل فقالت له: «إنى وجعة، وإنه ليزيدنى وجعا أنى ما أجد طعاما آكله»، فبكى الرسول وقال: «تجرعى يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة».
 
الله أكبر. يبكى محمد لأنه يرى أحب الناس إليه جائعة مرهقة مريضة، ثم لا يملك أن يشبعها ويعفيها من عنائها، وهو يملك كل شىء فى الجزيرة العربية، ثم يسأل السائلون عن برهان نبوته. إن لم يكن هذا برهان النبوة، فبرهان أى شىء يكون؟!.

اضافة تعليق