الْحَسَدَ.. مِنَ أمْرَاضِ اِلْقُلُوبِ

السبت، 28 أكتوبر 2017 12:00 ص


 وحيث أثنى المولى سبحانة وتعالى على عباده المؤمنين الصادقين بالحب والإخاء فقال تعالى "وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا" (الآية9،الحشر)، وكما يُعد الحسد أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود، وهو حرام بإجماع الأمة؛ لأنه اعتراض على الحق -سبحانه وتعالى-، ومعاندة له، ومحاولة لنقضِ ما فعله وإزالةِ فضل الله عمَّن أهَّلَه له.

وحذر الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمراض القلوب التي تفتك بالأمة وتأكل الحسنات؛ فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم- "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا " (رواه البخاري).

 وحرص الإسلام إلى طهارة البدن وطهارة القلب، وطهارة القلب أولى من طهارة الأبدان، قال تعالى "يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (الشعراء: 88، 89)، والقلب هو محل نظر الله تعالى إليه، لقوله -صلى الله عليه وسلم- "إن الله لا ينظر إلي صوركم ولا إلي أموالكم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم" (رواه مسلم).

 وذكر المولى -تبارك وتعالى- من أمراض القلوب لما لها من أضرار على الفرد والمجتمع فأمر بالاستعاذة منها فقال تعالى " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ " (الفلق: 1 – 5)، وحيث انتشرت أمراض القلوب بين الناس من غل وحسد وغش وبغضاء. 

 وأمر الحسد ثابت شرعًا قال الله تعالى "وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ " (القلم: 51)، وحيث قال ابن عباس وغيره في تفسيرها: أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " رواه مسلم، وكما روى عن عائشة -رضي الله عنها- قالت " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرني أن أسترقي من العين " (البخاري ومسلم)، وأخرج مسلم وأحمد والترمذي. 

وذكر العلماء أن مراتب الحسد أربعة ومنها: تمني زوال النعمة عن المنعم عليه ولو لم تنتقل للحاسد، وكذلك تمني زوال النعمة عن المنعم عليه وحصوله عليها، وأيضًا تمني حصوله على مثل النعمة التي عند المنعم عليه حتى لا يحصل التفاوت بينهما؛ فإذا لم يستطع حصوله عليها تمنى زوالها عن المنعم عليه، وآخيرًا أن الحسد الغبطة ويسمى حسداً مجازاً. 

 والحسد ينافي الإيمان؛ فلأن الإيمان يأمر صاحبه بالتسليم لأفعال الله؛ فلو حسد العالم أو العابد أو الصالح؛ فإن ذلك يدل على ضعف إيمانه؛ ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم- "لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد"، وكما قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- "الحسدُ يأكلُ الحسناتِ، كما تأكل النَّارُ الحطب" (رواه البخاري).

 ويصيب الحسد أضرار على الحاسد، وحيث قال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (3/ 196)"اعْلَمْ أَنَّ الْحَسَدَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْعَظِيمَةِ لِلْقُلُوبِ، وَلَا تُدَاوَى أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَالْعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الْحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِمَا، وَمَهْمَا عَرَفْتَ هَذَا عَنْ بَصِيرَةٍ، وَلَمْ تَكُنْ عَدُوَّ نَفْسِكَ وَصَدِيقَ عَدُوِّكَ فَارَقْتَ الْحَسَدَ لَا مَحَالَةَ.

أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَيْكَ فِي الدِّينِ؛ فَهُوَ أَنَّكَ بِالْحَسَدِ سَخِطْتَ قَضَاءَ اللهِ تَعَالَى، وَكَرِهْتَ نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَّمَهَا بَيْنَ عِبَادِهِ، وَعَدْلَهُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي مُلْكِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ فاستنكرت ذلك واستبشعته، وهذه جناية على حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ وَقَذًى فِي عَيْنِ الْإِيمَانِ، وَنَاهِيكَ بِهِمَا جِنَايَةً عَلَى الدِّينِ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَى ذلك أنك غششت رجلًا من المؤمنين، وتركت نصيحته، وفارقت أولياء الله وَأَنْبِيَاءَهُ فِي حُبِّهِمُ الْخَيْرَ لِعِبَادِهِ تَعَالَى، وَشَارَكْتَ إبليس وسائر الكفار فِي مَحَبَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْبَلَايَا وَزَوَالَ النِّعَمِ، وَهَذِهِ خَبَائِثُ فِي الْقَلْبِ تَأْكُلُ حَسَنَاتِ الْقَلْبِ كَمَا تأكل النار الحطب، وتمحوها كما يمحو الليل والنهار.

وأما كونه ضررًا عليك فِي الدُّنْيَا؛ فَهُوَ أَنَّكَ تَتَأَلَّمُ بِحَسَدِكَ فِي الدُّنْيَا أَوْ تَتَعَذَّبُ بِهِ، وَلَا تَزَالُ فِي كَمَدٍ وَغَمٍّ؛ إِذْ أَعْدَاؤُكَ لَا يُخْلِيهِمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ نِعَمٍ يُفِيضُهَا عَلَيْهِمْ، فَلَا تَزَالُ تَتَعَذَّبُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ تَرَاهَا، وَتَتَأَلَّمُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ تنصرف عنهم، فتبقى مغمومًا محرومًا متشعب القلب ضيق الصدر.

ونَزَلَ بِكَ مَا يَشْتَهِيهِ الْأَعْدَاءُ لَكَ وَتَشْتَهِيهِ لِأَعْدَائِكَ، فَقَدْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمِحْنَةَ لِعَدُوِّكَ فَتَنَجَّزَتْ في الحال محنتُك وغمُّك نقدًا، ومع هذا فلا تَزُولُ النِّعْمَةُ عَنِ الْمَحْسُودِ بِحَسَدِكَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ تُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ لَكَانَ مُقْتَضَى الْفِطْنَةِ إِنْ كُنْتَ عَاقِلًا أَنْ تَحْذَرَ مِنَ الْحَسَدِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَلَمِ الْقَلْبِ وَمَسَاءَتِهِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ عَالِمٌ بِمَا فِي الْحَسَدِ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ فِي الْآخِرَةِ. 

 وأما أنه لا ضَرَرَ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ فَوَاضِحٌ؛ لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه، فلا حيلة في دفعه، بل كل شيء عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب".

إذا كان الحسد مجازيًّا؛ أي بمعنى الغبطة: وهي أن يتمنى المرء أن يكون له مثل ما لغيره من نعمة، من غير أن تزول عن الغير، فإن ذلك محمود في الطاعة، ومذموم في المعصية، ومباح في المباحات، وحيث ورد في آيات الذكر الحكيم "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ"  (المطففين: 26). 

 وما ورد عن البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار"؛ فالحسد هنا بمعنى الغبطة.

 ما ينبغي على المحسود فعله؛ فينبغي للمحسود قراءة المعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وقراءة القرآن والذكر بصفة عامة، وعليه بالتعوذات النبوية؛ نحو: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"، وليكثر من الدعاء لله -عز وجل- أن يصرف عنه السوء والعين والحسد، ولا حرج عليه في طلب الرقية من الصالحين.

ولا ينبغي أن يُعمِل الإنسانُ جانبَ الأوهام والظنون في الناس، فلا يجوز للمسلم أن يسيء الظن بإخوانه ويتهمهم بأنهم حسدوه لمجردِ مصادفةِ أحداثٍ تقع، قد لا يكون لها علاقة بمن يظن فيهم ذلك.

اضافة تعليق