الإمام محمد العروسي.. الشيخ الرابع عشر للجامع الأزهر

السبت، 28 أكتوبر 2017 12:00 ص

نشأته وتعليمه 
 
نشأ في منزل والده الشيخ أحمد بن موسى العروسي الذي قام على تربيته وحفظ القُرآن الكريم، ودرس شطرًا من المواد التي ينتسبُ بها للأزهر، وذلك على يد أبيه الذي كان حلم حياته أنْ يدخله الأزهر، ويجعله أحدَ علمائه الذين يجتمع على حلقاتهم الطلاب، وقد تحقَّق لهم ما أراد فانتسب ولده للأزهر، ودرس علوم الأزهر المقررة حينئذ، مثل: التفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، وأيضًا درس علوم المنطق، والوضع والميقات، على أيدي علمائه الكبار، وتنقَّل بين حلقاتهم وفيها حلقته التي كان يحضرها في حياة والده، ثم خلفه عليها بعد وفاته؛ أي: حلَّ محله في التدريس لطلبته، وكان شَغوفًا بالدرس، ويُواصل التدريس لطلبته من الصباح حتى المساء، وكان يمتازُ بالمرونة واللياقة وكان شَغوفًا بالبحث والدرس، حتى أنَّه كان يأتي الأزهر مع الفجر ولا يُفارقه حتى الليل، وكان حسن الإلقاء، غوَّاصًا وراء المعاني؛ ولهذا كان الطلبة يهرعون إليه من ساحات الأزهر والمدارس التابعة للأزهر، لينهلوا من معارفه العذبة وعلومه المتنوعة.
 
فترة توليه 
 
عقب وفاة الشيخ الشنواني اتَّفق العلماء بالإجماع على إمامته للأزهر، وتقلَّد المشيخة بالإجماع، ولبس الخُلَعَ من الوالي محمد على ومن الأعيان وزُعَماء الشَّعب، وتولَّى المشيخة ما بين عامي (1233 هـ- 1245 هـ / 1818م- 1829م)، وقال عنه الجبرتي في كتابه "تاريخ الجبرتي" ص7 "والمعروف أنَّ الإمام العروسي هو ابن شيخ الأزهر؛ حيث تولَّى أبوه مشيخة الأزهر قبلَه، ويفصله عن مشيخة أبيه شيخان هما: الشيخ الشرقاوي، والشيخ الشنواني ولمَّا تولَّى مقاليد المشيخة لم تشغَلْه عن دروسه، ولم تصرفه عن أداء ما كان يُؤدِّيه نحو تلاميذه، على الرغم من أنَّ جلوسه على كرسي المشيخة استمر اثنتي عشرة سنة".
 
مواقفه 
 
 نال الإمام ثقةَ الوالي محمد علي والشعب والعلماء، وأجمعوا جميعًا على تقديرِه وتوقيرِه لا لشهرة والده، وإنما كانت من مواقفه التي استطاع بها أن يطفئ فتنة طائفية كادت تشتعل بسبب فتوى تحرم أكل ذبائح أهل الكتاب.
 
وهي أن الشيخ إبراهيم المالكي الشهير بإبراهيم باشا قرأ في درس الفقه (إن ذبائح أهل الكتاب في حكم الميتة لا يجوز أكلها) وسمع فقهاء الثغر بذلك فأنكروه وناقشوه، فقال: إني أخذت ذلك عن الشيخ علي الميلي المغربي، وهو عالم جليل ورع، فأرسلوا إليه فبعث برسالة مفصلة ساق فيها الأسانيد على رأيه، واستند هو أيضًا لرأي الشيخ الطرطوشي في المنع وعدم الحل، وأمر الوالي بجمع العلماء والنظر في هذه المسألة الخطيرة.
 
فأحضر العلماء، وتقدم الشيخ العروسي بلباقته وحسن تأنيه، فقال: الشيخ علي الميلي رجل من العلماء، تلقى عن مشايخنا ومشايخهم (أي: مشايخ المغاربة) لا ينكر علمه، وهو منعزل عن خلطة الناس، ولأنه حاد المزاج (يريد أن يعتذر بهذا عن طعنه في العلماء المعاصرين) والأولى أن نجتمع به ونتذاكر في غير مجلسكم، وننهي بعد ذلك الأمر إليكم.
 
فاجتمعوا في اليوم الثاني، وأرسلوا إلى الشيخ علي لمناظرته فأبى الحضور، وقال: إنه لا يحضر مع الغوغاء، ولكنه يقبل الحضور في مجلس خاص، يحضره الشيخ حسن القويسني، والشيخ حسن العطار فقط؛ لأن ابن الأمير يشن عليه الغارة.
 
فتغير ابن الأمير وأرعد وأبرق، وثار العلماء الحاضرون وأمروا الأغا بالذهاب إلى بيت الشيخ علي وإحضاره قهرًا عنه، فذهب الأغا إليه فوجده قد اختفى، فأخرج زوجته وأهله من بيته وأغلقه، وكتب العلماء رسالة إلى الوالي ذكروا فيها أن الشيخ علي مخالف للحق، وأن إباءه حضور مجلس العلماء، ثم هربه يؤيدان أنه على الباطل، ولو كان مُحقًّا ما اختفى ولا هرب، وفوضوا إلى الوالي التصرف في شأنه وشأن الشيخ إبراهيم باشا الإسكندري، فأصدر الباشا قرارًا بنفي الشيخ إبراهيم إلى بني غازي، أما الشيخ علي فظل مختفيًا.

اضافة تعليق