الزرق من الإيمان.. أنواعه وطلبه من الله وآدابه

الجمعة، 27 أكتوبر 2017 12:00 ص

*معنى الرزق : 
قال ابن فارس: الراء والزاء والقاف أُصَيْلٌ واحدٌ، يدلُّ على عَطاءٍ لوَقت، ثم يُحمَل عليه غير الموقوت؛ فالرِّزْق: عَطاء الله جلَّ ثناؤُه، 
 
يقال: رزق الله الخلق رِزْقًا ورَزْقًا، ورزقه الله يرزقه: أوصل إليه رزقًا؛ فالرَزْقُ: "بالفتح" مصدر، و"بالكسر" اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما ينتفع به، ويجوز أن يوضع كل منهما موضع الآخر؛ والرزق: ما ينتفع به مما يؤكل، ويلبس، وما يصل إلى الجوف ويتغذى به؛ وقال تعالى: "فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ"؛ والرزق : المطر، "وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"؛ لأنه سبب الرزق والعطاء، والرزق: العطاء الجاري؛ يقال: كم رزقك في الشهر ؟ أي : كم راتبك؛ والجمع: أرزاق.
 
*أنواع الرزق : 
الأرزاق نوعان :
-أرزاق ظاهرة للأبدان، كالأقوات.
-أرزاق باطنة للقلوب والنفوس، كالمعارف والعلوم..
 
فالرِزق "بكسر الراء" اسم عام يشمل كل ما يصلح أن يُرزق، يعني: أن يُمنح ويُعطى وينتفع به ، فيدخل في ذلك الجاه والسلطان والعلم والصحة والعافية  والمال والطعام والشراب والملبس والمسكن والدواب والذرية، وكل ما يحتاجه المرء؛ فيشمل العطاء الدنيوي والأخروي .
 
والرزق الحسن: هو ما يصل إلى صاحبه بلا كد في طلبه، وكل ما خلقه الله تعالى في الأرض مما يملك فهو رزق للعباد في الجملة، بدلالة قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا". 
 
والرزق نوعان : رزق بسبب، ورزق بغير سبب؛ فالأول يجب السعي له، كما قال تعالى : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، وله أسباب لجلبه، وأمر الله تعالى مريم فقال: "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا".
 
وأما الذي بغير سبب فهو ما يرزقه الله تعالى عباده من غير تسبب منهم، وهذا كثير في الحياة كالمواريث والهبات والصدقات ونحوها، ويكرم الله تعالى بعض عبيده برزق آخر، كما في قوله تعالى: "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
 
*طلب الرزق : 
طلب الرزق يكون بالكسْب: يقال: كسَب يكسِب كسْبًا، وتكسَّب واكتسب؛ وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"، وطلب الرزق يكون بالدعاء أيضًا، ولا ينبغي إلا من الله قال الله تعالى: "فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ".
 
قال الله تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، فالسبب المأمور به  فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، ولكن الرزق هو فضل من الله تعالى، فالأعمال هي فقط سبب في الحصول على الرزق . 
 
وأرزاق بني آدم مكتوبة مقدرة لهم ، وهي واصلة إليهم، جدُّوا في طلبها أو قصروا،  
 
فقال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"، أي: بل أنا أرزقهم، وما خلقتهم إلا ليعبدون، وفي حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ  وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" فرزق الله لا يجره إليك حرص حريص، ولا يرده عنك كراهة كاره. .
 
*الرزق من قضايا الإيمان : 
قال الله تعالى: "أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"، جاءت هذه الآية ختامًا لآيات تُصور نموذجًا مكررًا للإنسان ما لم تهتد فطرته إلى الحق وترجع إلى ربها الواحد ، وتعرف الطريق إليه ، فلا تضل عنه في السراء والضراء .
 
قال الله تعالى: "فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ"، فإن الضر يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود؛ فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده .
 
حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء، وقال عن النعمة والرزق والفضل: "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ"، إنها صورة مكرورة في حياة البشرية فكرًا وواقعًا، تشابهت قلوبهم فتشابهت كلماتهم: "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ"؛ وتشابهت نهايتهم؛ "أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا"،
 
ثم جاءت الآية: "أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" لتبين الحقيقة الظاهرة، والتي يغفل عنها هذا الأنموذج الضال، فالله تعالى يوسع الرزق لمن يشاء، وإن كان لا حيلة له ولا قوة، امتحانًا؛ ويضيقه على من يشاء، وإن كان قويًّا شديد الحيلة، ابتلاءً، قال الله تعالى: "بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ".
 
فإن الرزق قضية إيمان، لا يعيها ويعتقدها ويعمل بمقتضاها إلا صادقو الإيمان، فلذلك جاء تذييل الآية: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".
 
*آداب طلب الرزق : 
الأسباب التي تزيد من رزق الإنسان من علم الله تعالى الأزلي لهذا الرزق، كالتال : 
 
أولا: الاستغفار والتوبة
قال تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً".
 
ثانيا: التوكل على الله
قال تعالى: "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً".
 
روى الإمام مالك والترمذي بسند صحيح عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا".
 
ثالثا: صلة الرحم
لك أقارب وأخوات وبنات وعمات وخالات في أطراف المدينة أنت حينما تصلهم، وتعطيهم، وتأخذ بيدهم، وتتولى شئونهم، وترعاهم وتهديهم إلى الله عز وجل يزداد رزقك، فعن أَنَس بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
 
رابعا: الإنفاق في سبيل الله
قال تعالى: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، وفي الحديث: "أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا".
 
خامسا: التوبة
قال تعالى: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ".
 
سادسا: الدعاء
يقول عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ بك من البخل والفقر، وعذاب القبر"،وعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَنْ تَظْلِمَ، أَوْ تُظْلَمَ".
 
سابعا: تقوى الله عز وجل
قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
 
ثامنا: ذكر الله تعالى
قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى".
 
تاسعا: النفقة على طالب العلم تزيد في الرزق
على طالب العلم، هذا الذي جاء بلد غريبة ليطلب العلم ليعود خطيباً، هذا جاءكم إكرامه، والإنفاق عليه، وإشعاره أنه في بلده، وبين أهله يزيد الرزق، والدليل، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ".
 
عاشرا: شكر الله عز وجل
الجميع أنعم الله عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، أكبرها الصحة والأولاد وراحة البال إلخ، إن شكرت نعماً بين يديك حفظ الله لك هذه النعم، وزادك من فضله، قال تعالى : " لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم".

اضافة تعليق