ليست ملكك لكي تتخلص منها.. الحياة نعمة ربانية اصبر عليها تنال أجرها

الجمعة، 27 أكتوبر 2017 12:00 ص

فالاعتداء على النفس بالقتل أو بما دونه إنما هو تعد على ما وهبه الله تعالى للإنسان من نعمة الحياة ليحافظ عليها لا ليهلكها. لذا حرم الله تعالى الانتحار بقوله {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. وتوعد المنتحرين مباشرة بقوله {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} (النساء، 29_30)
 
يفكر ضعفاء النفوس والايمان بالانتحار عندما تواجههم المشكلات مستسلمين لليأس. والمسلم لا يفكر بالانتحار لأنه لا ييأس من رحمة الله وإن قسا عليه الزمن وتناوبت عليه السنون؛ فهو يعلم أن الإبتلاء يرفع الدرجات ويكفر السيئات، وهو على يقين دائم أن مع العسر يسرا؛ لذا لا ينفك عن الاجتهاد ولا يفتر عن المحاولة. قال الله تعالى على لسان يعقوب موجها أبناءه وقد طال به الابتلاء {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف، 87)
 
وقال الله تعالى حاكيا عن ابراهيم الخليل {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} (الحجر، 56)
 
وكما يحب الانسان الخير ولا يكتفي منه ولا ينقطع عن طلبه فعليه في المقابل أن لا يصيبه اليأس عندما تصيبه المصيبة، وإلا كان كمن قال الله فيهم {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} (فصلت، 49)
 
ينصُّ القرآن الكريم على عقوبة القتل العمد بقوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء، 93)
 
ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة الانتحار لأن المنتحر لا يملك فرصة التوبة من جريمة القتل، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قتل نفسه بحديدة، فحديدته بيده، يجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه بيده، يتحساه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا “.
 
وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقال: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أشهد أنك رسول الله، قال: «وما ذاك؟» قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة».
 
1- الانتحار يأس من الرحمة : 
 
يقول المولى عز وجل في مُحكم آيات ذكره الحكيم، ما يُعني أن اليأس والقنوط من اشتمال الله للإنسان بالرحمة، من الأفعال التي تجعله قد سقط في فخ الكفر ولعياذ بالله، بقوله في سورة يوسف “لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”، كما جعلها صفة من صفات الواقعون في خطيئة الضلال أيضاً، ففي سورة الحجر ورد قوله عز وجل “ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون”، ومن ثم يمكننا استنتاج سبب آخر لـ تحريم الانتحار في الإسلام، وهو أن الإقدام على إهلاك النفس وقتلها عمداً، يعني أن المرء قد ارتكب جُرماً آخر وإن لم يُدرك ذلك صراحة، ألا وهو الضلال أو الكفر الناتجان عن قنوطه من رحمة ربه، إنما المسلم يجب أن يؤمن بأن الله مطلعاً عليه علمياً بأحواله رحيماً به، ولذا حين تحيق به الشدائد وتلم به المصائب، عليه أن يتوجه إليه بالدعاء طالباً العون والرحمة، لا أن يقنط من ذلك ويُهلك نفسه بيده عن طريق الانتحار.
 
2- الإنسان ملكاً لخالقه : 
 
بحسب الشريعة الإسلامية فإن الإنسان ملكاً لخالقه، ومن ثم فإنه لا يحق له أن يتصرف فيما يملك، وهذا القول يُرّد به على من يتحذلقون، ويدعون بإن تحريم الانتحار يتنافى مع مبدأ الحرية، ومن المعلوم أن الإسلام قد كفل الحرية للجميع، بل أنه قد كفلها حتى لغير المسلمين، لكن هلاك النفس لا يمكن -بأي حال- أن يدخل ضمن مبدأ إقرار الحرية، فالمولى عز وجل هو خالق الإنسان ومالكه، هو من خلقه وهو من يتوفاه في الوقت المعلوم لانقضاء أجله، ثم يحاسبه يوم القيامة ويجازيه بحسب عمله، ولهذا جاء تحريم الانتحار ضمن قواعد وضوابط الشريعة الإسلامية. 
 
3- الانتحار إذعان للشيطان: 
 
الشيطان هو عدو الإنسان المتربص به دوماً، كما ورد بأكثر من موضع من القرآن الكريم، وكما ذُكر بعدد من أحاديث الرسول الأمي عليه الصلاة والسلام، فمن بين أسباب تحريم الانتحار ،هو أنه يأتي كنتيجة لوساوس الشيطان للقلوب ضعيفة الإيمان، قليلة الوصل مع خالقها عز وعلا.. فأطباء النفس يرون أن المشاعر السلبية التي تنتاب الشخص، مثل القلق والتوتر وحالات الاكتئاب الحاد، هي المسبب الرئيسي لحالات الانتحار، والشيطان هو من يدفع الإنسان إلى مثل هذه المشاعر، فالله تعالى يقول بسورة البقرة “الشيطان يعدكم الفقر”، وفي ذات الآية نجد قوله تعالى “والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”، ومن ذلك القول نستنتج إن من يقدمون على قتل أنفسهم، هم أسلموا عقولهم وقلوبهم لوساوس الوسواس الخناس، فوعدهم بالفقر وصدقوا وعده فانجرفوا إلى اليأس والقنوط، ولإن القنوط والإيمان لا يجتمعان في قلب رجل واحد، كان بديهياً أن يتم تحريم الانتحار في الدين الإسلامي.
 
 4- عدم الثقة بالله: 
 
المسلم يؤمن بأن كل شيء في هذه الحياة هو دون قدرة العلي القدير، ومن ثم لا يجب عليه الاستسلام إلى الضغوط أو البلاء، كون هذه الأمور التي تعكر استقرار حياته وصفوها، لأن الله عز وجل قادر على تبديل الأحوال وتفريج الكرب والهم عنه، ولذلك في مثل هذه المواقف عليه اللجوء إلى ربه واستغفاره، كي يعفو عنه ويتم نعمته عليه ويشتمله برحمته، أما الانتحار فهو على النقيض من ذلك تماماً، ويعني –بشكل أو بآخر- عدم ثقة الإنسان في قدرة الله ورحمته، ولهذا تم تحريم الانتحار في أحكام شريعة الدين الإسلامي، حيث أن ذلك الجُرم يتنافى مع مبدأ الثقة بالله، والتي تعد من أفضل العبادات وأسس الإيمان الصحيح بالله الواحد الأحد. 
 
5- عدم الرضا بقضاء الله وقدره: 
 
تحريم الانتحار بحسب الدين الإسلامي، جاء لأن هذا الفعل المُجرّم لا ينتج إلا ترتيباً على جُرم آخر، ألا وهو التمرد -ولعياذ بالله- على المولى، فإن المنتحر بإقدامه على إنهاء حياته بيده، يكون متمرداً على قضاء الله وغير راضياً بقدره، ومن المعلوم والبديهي أن الرضا بقضاء الله وقدره، من الركائز الإيمانية في الدين الإسلامي، ولهذا تم تحريم الانتحار باعتباره فعل يتنافى مع تلك الركيزة الأساسية. 
 
6- عدم الصبر على البلاء: 
 
ومن الأسباب التي جاء بموجبها تحريم الانتحار ،أنه يعد من ضمن الأفعال التي تتنافى مع المنهج الذي وضعه الله لعباده، والذي يعتمد بصفة أساسية على الصبر.. فصفة الصبر قد وردت ضمن آيات القرآن الكريم في مواضع عديدة، وهو الطريقة الأمثل لمواجهة الصعاب والمشكلات والمعيقات في الحياة، لقوله تعالى في مُحكم آياته “واستعينوا بالصبر والصلاة…”، أي أن الصبر آداة يستعان بها لتحقيق الهدف أو الغاية، والتي هي تجاوز المحنة أو العقبات التي تعترض حياة الإنسان، ولكن تجدر بنا الإشارة هنا إلى أن الصبر لا يعني السلبية، أي أن تحقيق الغاية المنشودة هنا، تستوجب أن يقترن الصبر على البلاء الذي وقع على المرء، بالسعي والرغبة الحقيقية في اجتيازه، وذلك عن من خلال التوكل على الله والبحث عن الحلول الممكنة.
 
7- الاعتداء على النفس: 
 
تحريم الانتحار بمقتضي قواعد الدين الإسلامي، يأتي ضمن سلسلة طويلة من المفاهيم والقواعد، التي كرمت النفس البشرية وارتقت بمكانتها، فقد حَرّم الله عز وجل جريمة القتل، وزهق أرواح الناس بالباطل، وغلظ عقوبة هذا الفعل سواء في الحياة الدنيا أو في الحياة الآخرة.. كل هذا يبرهن لنا على مكانة النفس في العقيدة الإسلامية، وكيف تعتبر الحياة منحة إلهية لا تقدر بثمن، وبالتالي فإن إهدارها يعد ذنباً وإثماً عظيماً، فحرمة الاعتداء على الذات لا تختلف عن الاعتداء على الآخرين، بل إن بعض علماء الدين والفقهاء عَدّوا الاعتداء على الذات أشد ظلماً وفجوراً.

اضافة تعليق