"كل سلامى من الناس عليه صدقة".. نعم الله عزوجل على عباده

الجمعة، 27 أكتوبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
للصدقة مفهوما واسعا لا يقتصر على بذل المال وإنفاقه في أوجه البر والخير، وأنه يشمل كثيرا من الطاعات والعبادات التي تبرهن على صدق صاحبها في عبوديته لربه تبارك وتعالى "والصدقة برهان"، كما أن من الصدقة ما يكون نفعها قاصرا على العبد، ومنها ما يكون نفعها متعد إلى الذين من حوله، وفي الحديث الذي بين يدينا أتى التركيز على تلك الأعمال التي يعم خيرها على الجميع، فيتحقق بها الائتلاف بين لبنات الأمة، وتجتمع القلوب على كلمة سواء، ومحبة دائمة.
 
يبتديء النبي صلى الله عليه وسلم حديثه بتذكير المؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عزوجل على الناس فيقول: "كل سلامى من الناس عليه صدقة"، إنه تذكير بعظمة الله وقدرته على خلق الإنسان والإبداع في تركيبه وتنظيم عمل أعضائه، على نحو تعجز عنه طاقات البشر وإمكاناتهم، وجاء التذكير الرباني بهذه النعمة في عدة مواضع من كتاب الله، يقول الله عزوجل: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون"، ويقول أيضا: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك".
 
وهذه النعمة العظيمة تتطلب من الإنسان شكرا لها، وهذا الشكر سبب لمباركة هذه النعم ودوامها.
 
ويظن البعض أن شكر النعم يكون باللسان فقط، والحقيقة أن هذا لا يكفي، نعم: الشكر باللسان أمر مطلوب شرعا، ولكن ينبغي أن يضم إليه الشكر بالعمل، فيحقق بذلك أعلى درجات الشكر للخالق، وحين نستعرض الصور التي وردت في الحديث الذي نتناوله، نجد أكثرها يدخل في باب الشكر بالعمل.
 
فالعدل بين المتخاصمين شكر على نعمة اللسان الذي نطق بالحق، وشكر على نعمة العقل الذي أعان العبد على اختيار الحق والقضاء به، وشكر على نعمة الهداية والتوفيق التي أعانت على الإصلاح بين المتخاصمين، ولو مضينا في ذكر هذه النعم فلن نحصيها عددا، وحسبنا أن نعلم أن هذا العمل الخير هو من أفضل القربات إلى الله عزوجل، كما أنه سبب تلتئم به المشاحنات التي تحصل بين الناس، فهو إذا صدقة على المجتمع المسلم.
 
والصورة التالية التي ذُكرت في الحديث: "وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة" إنه مثال حي على قضية التعاون على البر والتقوى، ووجه من وجوه التكافل الإنساني، لاسيما وأن الفرد بطبيعته لا يستطيع أن ينفرد بقضاء شؤونه كلها، بل لابد له من الاستعانة بغيره، وهذه سنة الله في خلقه أن جعل الناس يتخذون بعضهم بعضا سخريا، فإذا قام كل فرد بإعانة أخيه وتوفير حاجته، انتشرت المحبة بين المؤمنين.
 
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "والكلمة الطيبة صدقة": فهو حديث عن صدقة من أعظم الصدقات، إنها الكلمة الطيبة، فكم كان للكلمة الطيبة من أثر واضح على كثير من الناس، ولكم تناهى إلى أسماعنا من قصص في القديم والحديث تدل على أثر الكلمة الطيبة، يروي أحد السلف قصته فيقول: "كنت غلاما حسن الصوت، جيد الضرب بالطنبور، فكنت مع صاحب لي وعندنا نبيذ وأنا أغنيهم، فمر عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فدخل فضرب البساط وكسر الطنبور، ثم قال: لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت!! ثم مضى، فقلت لأصحابي: من هذا ؟، قالوا: هذا عبدالله بن مسعود، فألقى الله في نفسي التوبة، فسعيت أبكي وأخذتُ بثوبه، فأقبل علي فاعتنقني وبكى، وقال لي: مرحبا بمن أحبه الله"، فلك أن تتخيل أن كل عمل عمله هذا الرجل إنما هو في ميزان حسنات عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، والسبب في ذلك: كلمة طيبة وافقت ساعة هداية.
 
وللكلمة الطيبة وجوه متعددة وصور متنوعة، فهي الذكر لله عزوجل، وهي الشفاعة الحسنة التي تقضي للناس حوائجهم، وهي التسلية للمصاب لتخفف عنه بلاءه، وهي الموعظة الصادقة التي ترشد العباد إلى ربهم، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي كل ما يسر بها السامع، وما يجمع القلوب ويؤلفها.
 
ثم يأتي الحث على حضور الصلوات في المساجد، لإدراك الخير، وتحصيل الأجر، وورد في فضل ذلك الكثير من الأحاديث، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، وقال أيضا: "من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح".
 
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "وتميط الأذى عن الطريق صدقة" ففيه إشارة إلى أن جميع الأعمال الصالحة التي تصدر عن العبد تحقق معنى الشكر، مهما كان هذا العمل صغيرا في نظر صاحبه، دقيقا في مقياس الخلق، وفي هذا دلالة على عظم هذا الدين وشموليته.

فإن أعمال العباد كلها لا تساوي قدر أقل نعمة من نعم الله المتكاثرة، فلئن كان شكرها لا يوافي قدرها، فلا أقل من رعاية الحواس حق الرعاية، وصيانتها من استعمالها في غير مرضاة خالقها ومولاها ، لعل ذلك يكون أقل ما يجب.
 

اضافة تعليق