"ذهب أهل الدثور بالأجور".. فعل الخير لا يقتصر على الأغنياء 

الخميس، 26 أكتوبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
يوم أن خلق الله تعالى هذه الدنيا ، بث فيها ما يكفل للإنسان عيشا رغيدا وحياة هانئة سعيدة، إلا أن هذه الحياة على اتساعها وجمال ما فيها مآلها إلى الفناء، كالزهرة اليانعة في البستان سرعان ما تذبل وتسقط أوراقها، وإنما هيأها الله لبني آدم كي تكون مزرعة للآخرة، ومجالا واسعا للتنافس على طاعة الله، والتسابق في ميادين الخير .
 
وكان هذا هو هم الصحابة الأول، وتطلعهم الأسمى، فشمروا عن سواعد الجد، وانطلقوا مسارعين إلى ربهم ، بقلوب قد طال شوقها إلى الجنة، ونفوس قد تاقت إلى نعيمها الدائم، فكان الواحد منهم إذا سمع عن عمل يقربه إلى الله ويدنيه من رحمته كان أول الممتثلين له، عملا بقوله تعالى: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين". 
 
ولأن كانت ميادين الصلاة والصيام ونحوها مقدورة من أغلب الناس، إلا أن الصدقة بالمال مقصورة على أغنياء المسلمين القادرين على بذله والجود به، ومن هنا دخل الحزن قلوب فقراء الصحابة، إذ فاتهم هذا المضمار من مضامير الخير، وكلما سمعوا آية أو حديثا يحث الناس على البذل والصدقة، ويبيّن فضلها وما أعد الله لأهلها، حز ذلك في نفوسهم، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاكين له، ولنعش معا لحظات ماتعة مع هذا الموقف العظيم الذي يرويه لنا أبو ذر رضي الله عنه .
 
وقال الصحابه: "يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور"، ولم يكن قولهم هذا انطلاقا من الحسد لإخوانهم، أو طمعا في الثراء، ولكنه خرج مخرج الغبطة وتمني حصول الخير، ليحوزوا المرتبة التي امتاز بها الأغنياء، ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق".
 
وهنا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما يدور في نفوس أصحابه من اللهفة إلى الخير، فعالج ذلك الموقف بكل حكمة، وبين لهم سعة مفهوم الصدقة، فإنها ليست مقصورة على المال فحسب، بل تشمل كل أنواع الخير، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "إن بكل تسبيحة صدقة".
 
ذكر الله تعالى من التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد، هو من الباقيات الصالحات التي ذكرها الله تعالى في قوله: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا"، ووردت نصوص كثيرة تدل على فضل الذكر، ففي مسند أحمد وعند الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ؟، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله عز وجل" وقال أبو الدرداء راوي الحديث: "لأن أقول الله أكبر مائة مرة، أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار"، وفي حديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله ؟  قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات"، فذكر الله من أعظم صدقات العبد على نفسه .
 
وفي الجانب الآخر: فإن دعوة الناس إلى التزام الأوامر وترك النواهي إنما هو صدقة متعدية إلى أفراد المجتمع، ودليل على خيرية هذه الأمة، كما قال الله عزوجل في كتابه: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"، وهذا النوع من الصدقة واجب على كل أفراد الأمة كل بحسبه، علاوة على أنه ضمان لسلامتها وتصحيح مسارها .
 
فأبواب الخير غير مقصورة على ما ورد في الحديث، بل وردت أعمال أخرى أخذت وصف الصدقة: منها التبسم في وجه الأخ، وعزل الشوكة أو الحجر عن طريق الناس، وإسماع الأصم والأبكم حتى يفهم، وإرشاد الأعمى الطريق، والسعي في حاجة الملهوف، ونفقة الرجل على أهله، بل كل ما هو داخل في لفظة "المعروف" يعتبر صدقة من الصدقات إما على النفس أو على المجتمع .
 
ثم تتضح سعة فضل الله تعالى على عباده، حينما رتب الأجر والثواب على ما يمارسه الإنسان في يومه وليلته مما هو مقتضى فطرته وطبيعته، وذلك إذا أخلص فيه النية لربه، واحتسب الأجر والثواب، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المرء إذا أتى أهله، ونوى بذلك إعفاف نفسه وأهله عن الحرام، والوفاء بحق زوجته، وطلب الذرية الصالحة التي تكون ذخرا له بعد موته، فإنه يؤجر على هذه النيّة .
 
وهكذا يتسع مفهوم الصدقة ليشمل العادات التي يخلص أصحابها في نياتهم، فهي دعوة إلى احتساب الأجر عند كل عمل، واستحضار النية الصالحة عند ممارسة الحياة اليومية.

اضافة تعليق