الإمام عبدالله الشرقاوي.. الشيخ الثاني عشر للجامع الأزهر

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017 12:00 ص

نشأته وتعليمه
 
نشأ في قريته الطويلة ونُسِبَ إليها، حَفِظَ القُرآن في طفولته في بلدة القرين، ثم انتقل إلى القاهرة؛ حيث نشأ بها وتطلَّع إلى المعرفة؛ فدرس قسطًا من العُلوم التي تُؤهِّله للانتساب للأزهر، ثم غادر قريتَه إلى القاهرة؛ حيث انتسب للأزهر ودرس علوم الأزهر المقررة حينئذ مثل: التفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، وأيضًا درس علوم المنطق، والوضع والميقات، على أيدي شيوخ عظماء بعلمهم وخلقهم وصار يُفتي في مذهبه "الشافعي" ويعمل على حل الغامض فيه، وكان على درجة عالية من الإلقاء والتحرير، ومال بفطرته الطبيعيَّة إلى التصوُّف، واتَّصل بالصوفي الشيخ الكردي.
 
فترة ولايته
 
تولى الشيخ الشرقاوي مشيخة الأزهر بعد الشيخ العروسي (1208هـ- 1227 هـ / 1793م- 1812م) ولقد تولَّى المشيخة في مرحلةٍ من أهمِّ مراحل التاريخ المصري، وشهدت مصر أثناء ولايته أحداثا جسام؛ حيث جاءت الحملة الفرنسيَّة، وكان واحدًا من أعضاء مجلس الشورى العشرة الذين قابلهم نابليون وطلب منه العدلَ بين الناس، ورفع الظلم، وإقامة الشرع، وإبطال المكوس "الضرائب"، وبنى الشرقاوي رواق الشراقوة، وعمل على سلامة الأزهر. 
 
موقفه من الحملة الفرنسية
 
كان في مقدمة المشايخ الذين استدعاهم نابليون في قصر الألفي بك عندما دخلت الحملة الفرنسية القاهرة عام 1798م للنقاش حول أوضاع البلاد وماذا سيفعلون فيها، وانتهى المجلس بتشكيل ديوان يتولى تسيير الأمور مكوننا من تسعة أعضاء جميعهم من المشايخ والعلماء، وتم اختيار الشيخ الشرقاوي رئيسا للديوان، وبذلك أصبح رئيسًا لحكومة القاهرة المدنية، بالإضافة إلى مشيخة الأزهر، ولُقِّب بذي الرياستين.
 
وظن نابليون أن الشرقاوي قد تم إغراؤه بهذه المناصب، فقام نابليون ذات مرة بوضع طيلسان الجمهورية الفرنسية على كتف الشيخ الشرقاوي فألقى به على الأرض، وكان ذلك في ظل الحكم الفرنسي لمصر.
 
 ويقول محمد جلال كشك في كتابه الذي جاء تحت عنوان: "ودخلت الخيل الأزهر"، ومع حدوث ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر من نفس العام 1798م؛ حيث تجمع الأهالي وطلاب الأزهر وبعض المشايخ وهم يهتفون (نصر الله دين الإسلام)، وتصدى لهم الفرنسيس، واستمرت الثورة أيامًا، واستشهد فيها من المسلمين من استشهد، ثم ذهب الشيخ الشرقاوي وبعض المشايخ إلى نابليون عند بركة الأزبكية وطلبوا منه أن يرفع ضرب البنادق والمفرقعات عن الأهالي، فوبخهم نابليون وبكتهم واتهمهم بالتقصير في ضبط الأمور فاعذروا له بأنهم لم يكن عندهم علم مسبق بالثورة وليسوا من قادتها وليست لهم سيطرة عليها، ولكنهم يعدونه إن توقف عن الضرب والقتل وأعطى الأمان للأهالي أن تتوقف الثورة!، فوعدهم نابليون بالأمان، فخرجوا وأذاعوا في الناس ذلك ليعودوا إلى بيوتهم، ولكن نابليون غدر بهم مع الليل واقتحم الأزهر بجنده وخيوله، وتم القبض على عدد كبير من الطلاب المجاورين بالجامع الأزهر، وتم إعدامهم ليلًا على دفعات وإلقاء جثثهم في النيل، وكسر جند الفرنسيس قناديل المسجد الشريف ولطخوا جدرانه بالقاذورات، وسرقوا بعض المخطوطات وأحرقوا بعضها، وكانوا يجردون من يلقونه من ثيابه ويتركونه يمشي عريانًا، وحدثت الكثير من الأهوال والمهازل وقال الجبرتي: "إن الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر اعتبر هذه الثورة ونتائجها ‏فتنة، وإن القائمين بها ممن لا يمكنهم النظر في عواقب الأمور".
 
وبعد ثورة القاهرة عام 1798 قام نابليون بونابرت بحل المجلس واستمر معطلًا لمدة شهرين، ولكن سرعان ما أعاده نابليون، ولكن بشكل جديد؛ حيث قام بتكوين مجلسين أولهما الديوان العمومي وتكوّن من 60 عضوًا من الأعيان المصريين وممثلي الطبقات المختلفة، وهذا المجلس يجتمع بناء على دعوة من حاكم القاهرة وكان الشيخ الشرقاوي من أعضاء هذا المجلس ثم انفض بعد ثلاثة أيام.
 
وثانيهما المجلس أو الديوان الخصوصي وعدد أعضاؤه 14 عضوًا، ويجتمع يوميًّا لبحث ونظر مصالح الناس، وكان الشيخ الشرقاوي رئيسًا لهذا المجلس وهو عبارة عن مجلس وزراء بإشراف الوزراء.
 
على الرغم أن الفرنسيون اكتشفوا أنَّه تجاوب مع الثورة ضدَّهم، فاعتقَلُوه مع غيره من الزُّعَماء في سجن القلعة، لكن سرعان ما أخرَجُوه لحاجتهم إليه، وحاول نابليون التقرُّب إليه بكلِّ السبل، وعلم نابليون فيما بعد أنَّ الشيخ الشرقاوي كان يتلقَّى رسائل سريَّة من الخليفة العثماني. 
 
وفي ثورة القاهرة الثانية ذكر الجبرتي في الجزء الثاني من كتابه "تاريخ الجبرتي" أن شيخ الأزهر الشرقاوي ومشايخ الديوان ذهبوا إلى كليبر، وطرحوا عليه ‏مبادرة لوقف العنف، وأبدى كليبر تفهمًا كبيرًا، ووعد أن يعطي أهل مصر "أمانًا شافيًا" بشرط أن يخرج العثمانيون والمماليك من مصر، وسيوفر لهم كليبر الأمان والطعام اللازم للخروج وكان على مشايخ الديوان أن يذهبوا بهذا العرض إلى الثوار ليقنعوهم به، فلما التقى المشايخ بالجماهير الغاضبة وطرحوا عليهم هذا الرأي كان رد فعل الناس تجاه المشايخ عجيبًا، كما يقول الجبرتي: "قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم وضربوا الشرقاوي والسرسي ورموا عمائمهم وأسمعوهم قبيح الكلام وصاروا يقولون هؤلاء المشايخ ارتدوا وعملوا +فرنسيس ومرادهم +خذرن المسلمين وإنهم أخذوا دراهم من الفرنسيس" وذكر الجبرتي أنه كان حزينًا غاضبًا مما فعله الناس بالشيخ الشرقاوي ومن معه.
 
ولما قتل القائد "كليبر" قبض على الشيخ الشرقاوي مع الشيخ العريشي قاضي مصر وتم حجزهما ساعات وطلب الفرنسيون منهما البحث عن الأزهريين الأربعة الذين ذكرهم سليمان الحلبي في التحقيق، ولكنهما ثارا لذلك الموقف الفرنسي فحاول الفرنسيون الزج بالشيخ الشرقاوي في ذلك الأمر، ولكن انتهى الموضوع حين تم إلقاء القبض على من ساعد الحلبي في قتل كليبر.
 
مؤلفاته
 
 له العديد من المؤلفات، منها: 
 
1-         التحفة البهية في طبقات الشافعية وضمت تراجم الشافعية حتى سنة 1221هـ، مرتبة على حروف المعجم، وتوجد منه نسخة خطيَّة بدار الكتب المصريَّة.
 
2-         تحفة الناظرين في من ولي مصر من السلاطين.
 
3-         حاشية على شرح التحرير في فقه الشافعية.
 
4-         فتح المبدي شرح مختصر الزبيدي.
 
5-         العقائد المشرقية في التوحيد.
 
6-         الجواهر السنية في شرح العقائد المشرقية- مخطوط.
 
7-         حاشية الشرقاوي.
 
8-         حاشية على شرح الهدهدي.
 
9-         شرح حكم ابن عطاء الله السكندري.
 
وقد بلغت مؤلفات الإمام الشيخ الشرقاوي ما يزيدُ على العشرين مؤلفًا، وذلك رغم التيَّارات السياسيَّة العنيفة التي خاضَها، وجميعُ كتبِه بدار الكتب المصريَّة ومكتبة الأزهر الشريف.       

اضافة تعليق