"شهر صفر".. بين الاعتقادات الباطلة و انتصارات الرسول

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017 12:00 ص

وْجبَ على العِبَاد معرفة توحيد الله -عز وجل-، وكذلك معْرفة ما يناقضه من الشرْك والخُرافات والبِدَع؛ ذلك أنَّ التوحيدَ هو القاعدة والأساس في دين الإسلام الذي لا يقبل الله عملاً إلا به، ومما يضادُّ التوحيد ما يعتقدُه بعضُ أهل الجاهلية وأتْباعهم في هذا الزمان؛ من اعتقادات وبِدَع في بعض الأيام وبعض الشهور من العام، ومن ذلك ما يعتقدُه بعضُهم في هذا الشهر من العام، ألا وهو شهر صفر.
 
وبذلك كلِّ ما يبعدنا عن الله من اعتقادات باطلة ومخالفة التي تبعدنا عن المولى -عز وجل-، ولما جاء في الشرْع الحنيف، وإنَّ كلَّ زمانٍ شغَلَه المؤمنُ بطاعة الله تعالى؛ فهو زمانٌ مُبَارك عليْه، وكلَّ زمان شغَلَه العبدُ بمعصية الله تعالى؛ فهو مشؤومٌ عليه، فالشؤم في الحقيقة هو في معصية الله  تعالى.
 
ويُعد شهر صفر أحدُ الشهور الهجريَّة، وكما يلي شهرَ الله المحرَّم، ولقد سُمِّي بهذا الاسم، "صفر"؛ لإصفار مكةَ من أهلها؛ أي: خُلوَّها من أهلها إذا سافروا، وقيل: بل سَمّوا الشهر "صفر"؛ لأنَّهم كانوا يغزون فيه القبائلَ، فيتركون مَن لَقوا صفرًا من المتاع، ولقد كان للعرب في الجاهليَّة في شهر صفر منكران عظيمان، هما.
 
التلاعُب فيه تقديمًا وتأخيرًا؛ حيث كانوا في الأَشْهُر الحُرم يقدِّمون ويؤخِّرون حسب أهوائهم؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه  جَعَلَ في العام أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، حرَّمَ فيها القتالَ تعظيمًا لشأنها، وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، ذو الحجة، مُحرَّم، رجب، ومصداق ذلك في كتاب الله - سبحانه "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ " (التوبة: 36).
 
فكان المشركون إذا أرادوا أن ينتهكوا حُرْمة شهر المحرَّم، قدَّموا شهر صفر، وجعلوه مكانه؛ حتى لا تَحُول الأزمنة الفاضلة بينهم وبيْن ما يشتهون.
 
أما المنكرُ الآخر الذي كانَ يرتكبه العربُ في مثلِ هذا الشهر، فهو التشاؤم منه؛ حيث كانوا يعتقدون أنَّه شهْر حُلُول المكاره، ونُزُول المصائب، فلا يتزوَّج مَن أرادَ الزواجَ في هذا الشهر؛ لاعتقاده أنه لن يوفَّقَ، ومَن أرادَ تجارة فإنَّه لا يمْضِي صفقتَه في شهر صفر؛ خشية ألا يربحَ.
 
وأبْطلَ - صلى الله عليه وسلم - هذا الاعتقادَ الزائف، فشهْرُ صفر شهرٌ من أشْهُرِ الله، وزمان من أزمنة الله، لا يحصل فيه إلا ما قضاه وقدَّره الله، ولم يختصّ سبحانه هذا الشهرَ بوقوع مكاره، ولا بحصول مصائب، فالأزمنة لا دخْلَ لها في التأثير، ولا فيما يقدِّره الله سبحانه؛ فصفر كغيره من الأزمنة، يُقَدَّر فيه الخَيْرُ والشَّرُّ.
 
وحيث يعتقده البعضُ  -وخاصَّة في بعض الأقْطار الإسلاميَّة- أنَّه في آخر يوم أربعاء من هذا الشهر، يُنزلُ الله سبحانه آلاف البَلِيَّات والكوارث؛ حتى يكون ذلك اليوم أصعبَ أيام السنة وأشدَّها، وعلى مَن أرادَ الخلاصَ من شرورِ ذلك اليوم أنْ يصلِّي أربعَ ركعات بصيغة مُعَينة، ثُمَّ يختمَ صلاته بالدعاء الْمُعيَّن، وفيه "اللهم أكْفِني شرَّ هذا اليوم، وما يَنْزِلُ فيه يا كافي المهمات، ويا دافع البليَّات؛ ولهذا فإنَّ هذه النافلة لا نعلمُ لها أصْلاً، لا من الكتاب، ولا من السُّنَّة"، ولم يثبتْ أنَّ أحدًا من سلف هذه الأمة وصالحي خَلَفِها عَملَ بهذه النافلة، بل هي بدعة مُنْكَرة. 
 
وثَبَتَ عن رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال"مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ"؛ رواه البخاري؛ فلا يجوز أبدًا التكلُّم بهذا والاعتقاد به.
 
وكما أن التشاؤم بالأزْمنة والتشاؤم بالأشهر وببعض الأيام أمرٌ يُبْطِلُه الإسلامُ؛ لأنَّ هذا التشاؤم هو جنْس الطِّيَرة التي نَهَى عنها نبيُّنا، فقال"لا عَدْوَى ولا طِيَرَة"؛ رواه مسلم، وفي الحديث الآخر : "الطِّيَرة شِرْكٌ، الطِّيَرة شِرْكٌ"؛ رواه ابن حِبَّان في صحيحه.
 
ويُعتبر هذا الشهرَ الذي يتشاءَم به البعضُ قد حَوَى أحداثًا عظامًا وتواريخ جليلة؛ ففي هذا الشهرِ كانت أول غزوة غزاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، وهي غزوة الأبواء؛ حيث خَرَجَ يعترضُ عيرًا لقريش، لكنَّه لم يلقَ كيدًا، وفي مثل هذا الشهرِ كان فتْحُ خَيْبر على يدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وفي مثْل هذا الشهر كانت الوقعة التي قُتِلَ فيها خُبيب بن عدي - رضي الله عن الجميع.
 
 

اضافة تعليق