بيع الأدوية المهربة.. المتاجرة بآلام الغلابة

الإثنين، 23 أكتوبر 2017 12:00 ص

وكما يترتب عليها الضرر بالمرضى؛ لعدم مطابقة هذه الأدوية للمواصفات، وكذلك أن الحكم الشرعي في مزاولة غير المختص لمهنة الصيدلة، وهذا من الناحية الفنية، أي: التخصص الصيدلي؛ من وصف الأدوية للمرضى أو تقديم النصح لهم.
 
وجاء الإسلامُ بتكريم الإنسانَ وأمر بالمحافظة على النفس والعقل، وجعل ذلك من الضروريات الخمس التي يجب الحفاظ عليها؛ وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال، والتي تُعرَف بالمقاصد العليا للشريعة؛ حتى يُمْكنَ للإنسان أن يقوم بالخلافة في الأرض ويعمل على عمارتها.
 
وحيث قال العلامة ابن عاشور في "التحرير والتنوير" "ووقوع فعل (تُلْقُوا) في سياق النهي يقتضي عموم كلِّ إلقاءٍ باليد للتهلكة؛ أيْ: كل تسبُّبٍ في الهلاك عن عمدٍ، فيكون منهيًّا عنه محرمًا، ما لم يوجد مُقتَضٍ لإزالة ذلك التحريم" اهـ.
 
وهذا يقتضي أنه إذا ثبت علميًّا ضررُ شيءٍ، ولم تكن هناك ضرورةٌ له: فإن تناوله يكون حرامًا، وتحريم التناوُل يقتضي تحريم التداوُل؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار؛ فيكون تداول الأدوية المهرَّبة مجهولة المصدر غير المصرَّح بها من وزارة الصحة حرامًا؛ لِمَا يترتب عليها من الإضرار بالناس، ويكون كل متسبب في تداول هذه الأدوية مسؤولًا مسؤولية شرعية وقانونية عن كل ضرر يصيب الناس من جرّاء تناولها.
 
كما أن في هذا التداول مخالفةً لوليّ الأمر الذي أمر الله بطاعته؛ فقد نص القانون المصري على حظر وتجريم تداوُل الأدوية غير المصرَّح بها من الصيادلة أو من غيرهم كوُسطاءِ بيع الأدوية؛ فنصت المادة (28) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم (127) لسنة 1955م على الآتي"يجب أن يكون كل ما يوجد بالمؤسسة المرخص بها بموجب هذا القانون من أدوية أو متحصلات أقرباذينية أو مستحضرات صيدلية أو مواد كيماوية مطابقًا لمواصفاتها المذكورة بدساتير الأدوية المقررة ولتركيباتها المسجلة، وتحفظ حسب الأصول الفنية.
 
وكما نصت المادة (41) من ذات القانون على أنه: "يجب على كل من يريد الاشتغال كوسيط أدوية أو كوكيل مصنع أو جملة مصانع في الأدوية والمستحضرات الصيدلية أو الأقرباذينية أن يحصل على ترخيص بذلك من وزارة الصحة العمومية، ويجب أن يكون طلب الترخيص على النموذج الذي تعده الوزارة لذلك؛ فقيام بعض الصيادلة بالاتِّجار في الأدوية المهربة مجهولة المصدر غير المصرَّح بتداولها من وزارة الصحة هو أمرٌ مُحرَّمٌ شرعًا؛ نظرًا لمَا قد يلحق مُتناولَها من ضررٍ.
 
وحيث أصدرت دار الإفتاء تنصح أولئك الذين يتاجرون في مثل هذه الأدوية ويبيعونها لكافة الناس أن يتقوا الله في شباب هذه الأمة وعموم أفرادها، وأما ممارسة غير المختصين لمهنة الصيدلة ووصفهم الأدوية للمرضى أو تقديم النصح لهم؛ فقد نهى الله -عز وجل- عن أن يتحدث الإنسان فيما لا يعلم؛ قال تعالى "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" (الإسراء: 36).
 
وقال الإمام الشافعي -رحمه الله- في "الرسالة"  "فالواجبُ على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا، وقد تكلم في العلم مَن لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه؛ لكان الإمساكُ أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله".
 
وحذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من تطبب غير الطبيب وتصدره لعلاج الناس من غير أهلية لذلك، وأخبر أن فاعل ذلك متحمل لتبعات فعله وآثار تصرفه؛ فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-"مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ"؛ فالتكلم بغير علم في العلوم الطبية لا تقل خطورته عن التدخل بغير علم في العلوم الدينية. 
 
وحيث إن التجرؤ في علوم الدين بغير علم يؤول إلى فساد في الاعتقاد والدين، والتجرؤ في العلوم الطبية وكل ما يتعلق بأمن الإنسان وحياته؛ من طب، وصيدلية، وهندسة، قد يؤول إلى فساد في الأنفس، وقد يعرض حياة الإنسان إلى الخطر، ومن المقاصد الشرعية العليا حفظ النفس، وهي ضرورية لحفظ الدين؛ لأنه إذا هلكت الأنفس لم يوجد من يقوم بالدين.
 
وقد نص قانون مزاولة مهنة الصيدلة على المهام التي يختص بها عمل الصيدلي من تركيب وتجهيز الأدوية الطبية، ولم تتضمن تلك المهام وصف الدواء للمرضى أو تقديم النصح الطبي لهم.
 
جاء في المادة رقم (1) لقانون رقم (127) لسنة 1955م "ويعتبر مـزاولة مهنة الصيدلة في حكم هذا القانون: تجهيز، أو تركيب، أو تجزئة: أيّ دواء، أو عقار، أو نبات طبي، أو مادة صيدلية تستعمل من الباطن أو الظاهر أو بطريق الحقن لوقاية الإنسان أو الحيوان من الأمراض أو علاجه منها، أو توصف بأن لها هذه المزايا.
 
وكما أن وصف الدواء للمرضى، وتشخيص حالتهم الصحية، وتقديم النصح لهم: كل ذلك من اختصاص الطبيب المعالج الذي هو منوط بالكشف والاستفسار عن حالة المريض؛ فلا يحق لغير الطبيب -صيدليًّا كان أو غيره- أن يتجاوز مهام عمله ويصف الدواء للمرضى؛ استنادًا على ما جرت عليه عادة الأطباء من وصف أدوية معنية لأعراض معينة؛ لأنه وإن تشابهت الأعراض؛ فإن ما يصلح لمريض قد لا يصلح لمريض آخر، ومعرفة هذا الأمر من شأن الطبيب المختص.
 
و نص القانون رقم (127) لسنة 1955م في شأن مزاولة مهنة الصيدلة في مادته رقم (72) على أنه: [لا يجوز للصيدلي أن يجمع بين مزاولة مهنته ومزاولة مهنة الطب البشري، أو الطب البيطري أو طب الأسنان، حتى ولو كان حاصلًا على مؤهلاتها".  
 
وحيث صف الدواء للمريض هو من اختصاص الطبيب المعالج، فلا يجوز لغير الطبيب التجرؤ على وصف دواء لمريض، كما أنه لا يجوز لغير الصيدلي المقيد رسميًّا في نقابة الصيادلة التجرؤ على مزاولة مهنة الصيدلة إلا بتصريح له بذلك من الجهة المختصة بذلك دون غيرها، وعليه الالتزام بما نُصَّ عليه في اختصاصه ولا يتعداه لغيره، ومخالفة ذلك هو أمرٌ محرَّمٌ شرعًا ومجرَّمٌ قانونًا.
 
 

اضافة تعليق