السماحة والمودة فى الإسلام.. قيم نحتاج إليها

الجمعة، 20 أكتوبر 2017 12:00 ص

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التنطع والتشدد في الدين، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون"، قالها ثلاثًا، ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم على من يشق على المسلمين فقال: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به".
 
وتمتاز الشريعة الإسلامية باحتوائها على قدر كبير من التسامح في جوانبها وأحكامها المختلفة؛ ينعم المسلمون عند تطبيق ما جاء به الدين بهذا التسامح؛ مما يحافظ على ما في هذا المجتمع من مودة وترابط، وألفة، إذ يمتد هذا التسامح بين أفراد المجتمع؛ ليستظل به أصحاب المعاصي والكبائر، بل وأصحاب البدع والمنكرات، في حدود لا تخل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تهمل النصح والتناصح في الله تعالى، فتتغلب الأخوة الإيمانية التي تربط بين المسلمين جميعًـا على ما في بعض أفراد المجتمع من الخطأ، أو التقصير، أو ارتكاب الذنوب، أو الوقوع في البدع والمنكرات.
 
*من مظاهر التسامح بين المسلمين، التي أمر الشرع بها وحث عليها : 
 
- التسامح في البيع والشراء والمطالبة بالديون : 
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا، إِذا بَاعَ، وإِذا اشترَى، وَإِذا اقتضَى".
 
- إنظار المُعْسِر أو التجاوز عنه : 
قال الله تعالى: "وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"، وفي الحديث المرفوع: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. قال: فَلَقِي اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْه"، وقال أيضـًا: "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيء، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، فقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ". 
 
- التراحم والرفق والرقة مع الآخرين وخفض الجناح لهم : 
قال تعالى: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين"، وقال صلى الله عليه وسلم: "وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ! مَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ أمَّتِي شَيْئـًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. وَمَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ أمَّتِي شَيْئـًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالسَّهَر وَالْحُمَّى".
 
وقال صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لأقومُ فِي الصَّلاَةِ، أرِيدُ أَنْ أطوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِي، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي؛ كَرَاهِيَة أَنْ أَشُقَّ عَلى أمِّهِ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَة ًمِنْ كُـرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَة مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أخِيهِ". 
 
-الحنث في اليمين مع أداء الكفارة مراعاة للغير وتقديمًا للخير : 
فعن عائشة رضي الله عنها: قالت: "سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم صَوْتَ خُصُومٍ بالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإذا أَحَدُهُمَا يَسْتـَوْضِعُ الآخَرَ (يسأله) أن يضع عنه بعض دَيْنِه، وَيَسْتَرْفِقـُهُ في شَيء(يسأله الرفق فيه)، وَهْوَ يَقولُ: وَاللَّهِ لا أفْعَلُ، فَخَرَجَ عَليْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي(الحالف) عَلَى اللَّهِ لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ. فَقَالَ: أنا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلهُ أَي ذَلِكَ أَحَبَّ"، وقال صلى الله عليه وسلم:«مَنْ حَلفَ عَلى يَمِينٍ فرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ»، وقال صلى الله عليه وسلم:«وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
 
- الأمر بالإحسان للأقارب وإن أساءوا ووصلهم إن لم يصلوا والصبر على ذلك : 
فعن أبي هريرة رضي الله عنه:«أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلـُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئونَ إِلَىَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَىَّ. فَقَالَ:«لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفـُّهُمُ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ »، قال النووي: "أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار"، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم، لما يلحق آكل الرماد الحار من الألم. 
 
وقال صلى الله عليه وسلم:«ليْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ».
 
- التنازل عما فاض عن الحاجة للغير عن طيب نفس : 
قال صلى الله عليه وسلم:«مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ. وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ»، قَالَ أبو سعيد الخدري: « فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ ». 
 
- الحث على الملاينة والتساهل في المعاملة : 
قال صلى الله عليه وسلم:«ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار أو بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ».
 
- الأمر بالعفو عن المسيء والإعراض عن الجاهلين : 
قال تعالى: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ"، وقال تعالى: "وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، وقال تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"، وعَنْ عَائِشَة رضي الله عنها قَالتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئـًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً، وَلاَ خَادِمًا، إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيء قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيء مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وعنها: «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ فِي شَيء قَطُّ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَة اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ ». 
 
- اختيار الأيسر لمنع المشقة : 
فعَنْ عَائِشَة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ».
 
- إقالة المعثر "وهو من ندم على بيعٍ باعه، وعقد أمضاه، ويشعر بحاجته إلى الرجوع في العقد، وإلغاء حكمه وآثاره" :
 فندب الشرع إلى إجابة طلبه، وإقالة عثرته، فيتسامح الطرف الآخر ويرضى بإلغاء البيع والعقد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله:«مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالـَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ». 
 
- أما التسامح مع المخطئين والعصاة وأصحاب البدع والمنكرات فهذا باب واسع : 
جعلت الشريعة أمثال هؤلاء يُحَبون من جانب، ويبغضون من جانب، وتبقى لهم الأخوة الإيمانية لا تنقطع، وتتجلى الرحمة بهم، والتسامح معهم في عدم تكفيرهم على أخطائهم، وعذر من له العذر حتى تقام عليه الحجة؛ فلا يكفر إلا من قامت عليه الحجة التي يكفر صاحبها إن أصر على كفره، وكذلك بجواز الصلاة خلفهم في الجُمَعِ والجماعات. 
 
ومن سماحة الإسلام، تيسيره لشئون مناسك الحج، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، فما سئل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّر، إلا قال: افعل ولا حرج".
 
وسماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين؛ فالإسلام لم تقتصر سماحته على المسلمين فحسب، بل شمل غير المسلمين، من اليهود والنصارى، والمشركين، حتى في حالة الحرب، فنهى الإسلام عن قتل الأطفال، والنساء، والشيوخ، والعجزة، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا فتحتم مصر، فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا".

اضافة تعليق