الدكتور علي جمعة يكتب: دور المفتي في تحقيق الأمن المجتمعي

الأربعاء، 18 أكتوبر 2017 12:00 ص

فإنه على الرغم من تطور حياة الإنسان وانطلاقه نحو آفاق بعيدة المدى في تحقيق أسباب الرفاهة والدعة إلا أنه لم يبلغ كنه السعادة بعد، ولم يستطع أن يدخل بذاته في إطارها وحيزها، بل لم يزد وعيه إلا ضحالة وبعدا عن سبيلها.
نعم تمكن الإنسان بتقدمه العلمي والتكنولوجي أن يحقق لنفسه تيسير المعيشة من الناحية المادية، وكان ظنه واعتقاده أن تلك الناحية هي نهاية المطاف وغايته في تحقيق السعادة، ولكنه وجد الأمر على غير ذلك، وجد الفراغ الروحي والحيرة أمامه، وصارت حياته كحياة الأشباح التي لا روح فيها.
وأدى إهمال الجانب الروحي في حياة الإنسانية إلى انتشار أزمات فرضت نفسها على كل شخص تقريبا في العالم المعاصر، وهذه الأزمات رصدها علم الاجتماع، وحار في إيجاد الحلول والعلاجات الناجعة لها، وأبرز تلكم الأزمات هو سيطرة القلق والحيرة والاكتئاب والتشتت على شخصية الإنسان، وافتقاده للهدف والأمل في حياته، فصار يعيش بلا هدف يعمل لأجله، وبلا أمل يسعى لتحقيقه.
وظهرت عوارض لذلك القلق والتشتت في لجوء الإنسان إلى تدمير ذاته بالمخدرات أو الشذوذ، أو العنف والاحتراب، أو الانتحار.
وإن انطلاق العقل وتحركه في الفضاء بدون ضابط ولا شريك من الروح والعاطفة أسلم الإنسان إلى الهوى وإلى وقوعه أسيرا لنمط أو سبيل مبتسر وعاجز للمعرفة، ولكن أخيرا أدرك الإنسان أن إقصاءه لكل سبل المعرفة دون العقل أدى به إلى التصادم مع العقل نفسه، وأدى به إلى التشكك في العقل، وأدى به إلى الضياع وفقدان الطاقة، وعدم حصول المعرفة الحقيقية الموصلة إلى السعادة، بل صار الإنسان غريقا في بحور الشك وعدم اليقين وعدم الثقة في أي شيء، وصار متخبطا في مستنقعات من الفكر والعقائد الباطلة الردية.
وأصبح الإنسان مهمِلا ومهمِّشا لكل معنى أصيل أو قيمة حضارية أو مبدأ يسمو بروحه ووجدانه نحو آفاق تسهم في تحقيق السعادة، مما أدى إلى حدوث خلل في حياته وانعدام الأمن الروحي، وانعدم التوازن بين مطالب الجسد والروح، مما زج بالإنسانية في حياة لا يعلم فيها انتماء لدين أو وطن أو قيم، ولا ولاء إلا للذاتية والشخصانية واللذة الحسية والشهوة القريبة.
ونخلص مما سبق إلى أن ضروريات العيش تدور حول محورين: الأمن المادي، والأمن الروحي.
فالأول يتعلق بتوفير احتياجات الإنسان من المأكل والمشرب والمسكن والملبس وما شابه من ضروريات، والثاني يتعلق بتوفير الاطمئنان والهدوء والسكينة وما يدفع الحزن والكرب والفزع والروع والخوف وما شابه، فهو أمن الروح ويتحقق بالأمن الفكري والديني، فمن بات في جماعته غير مكره على اعتقاد يخالف ضميره وغير مكره في دينه ولا مفتون فيه، بل هو في سعة وحرية فقد تحقق له الأمن الروحي. 
وللتمثيل لذلك المحور من الأمن:  فهو أشبه بما فعله ملك الحبشة مع المسلمين حينما أتوه فارين من قريش بعدما اشتد عليهم التضييق والتنكيل، قال لهم في آخر المحادثة التي حاول فيها عمرو بن العاص أن يغريه بهم وأن يحرضه عليهم، قال: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي -وَالشُّيُومُ الْآمِنُونَ- مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ وَأَنّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ. وَالدَّبَرُ (بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ):  الْجَبْلُ.
قَالَتْ السيدة أم سلمة: فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
فقد خرج المسلمون من مكة طالبين الأمن الروحي الأمن الديني والفكري، لم يكونوا معوزين أو جائعين أو طالبين للأمن المادي. 
وقد بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم وتنبأ بأن هذا الملك عنده ما يطلبون فقال لهم:  ((لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ ؛ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا عَظِيمًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ)).( ) 
وقد أشار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذين الشقين من الأمن اللازمين لحياة الإنسان، وبهما يحصل له السعادة وينال من الدنيا خيرها.
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحْصَنٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)). 
وعند النظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "آمنا في سربه". نجد فيه إشارة إلى الأمن الروحي، وهو يشمل الاطمئنان على الفكر والعقيدة والانتماء إلى الجماعة والسكون فيها والولاء إليها دون غيرها، فـ"آمنا" اسم فاعل يفيد استمرار الصفة ودوامها ولزومها لصاحبها، وهي الأمن، وحرف الجر "في" يدل على الدخول في الشيء والاستقرار فيه، وأما الضمير في سربه فقد أضاف الجماعة إلى فردها، ونسبها إليه، ليجعل ولاءه إليها، وهو أمر مهم جدا للهدوء النفسي والاطمئنان والسعادة، فحينما ننشئ أولادنا على محبة الوطن وامتلاكه، يشعرون بالفخر، ويترسخ في وجدانهم السيادة، فينشؤون أحرارا، ينظرون إلى الوطن كأنه بيتهم الكبير، يحرصون عليه، ويدافعون عنه، ويكنون له الولاء، وينظرون إلى أهله على أنهم إخوة وتجمعهم بهم عصبة وحمية.
نعم يجب ألا تتحول العصبية إلى جاهلية والحمية إلى عُمِّيَّة، فتصير مذمومة، بل يجب أن تظل كل رابطة وكل انتماء في حياة المسلم معلقا بالحق، معلقا بالمنطق والصواب والمصلحة العامة والخاصة، أما الطاعة العمياء والعصبية في الصواب والخطأ، في الطاعة والمعصية، في المعروف والمنكر، فهو أمر نهينا عنه، وهو عين ما تُنَشِّئُ عليه الجماعات المتطرفة أتباعها، حتى يكونوا ألعوبة في يد أمرائها، يأمرونهم بالفقر والموت والانتحار فيستجيبون.
بينما يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268]
وقال أيضا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]
وقال أيضا: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]
وقال أيضا: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]
ولقد ترك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده أصحابا عرفوا منهجه ووثوا طريقته الحسنى فاقتدوا بها، فأقاموا دولة وسلطانا ودينا وعزا ومجدا، وذلك بفضل ما نعموا به من حكمة وفضل وعقل.
ولنضرب مثالا على ذلك بالقاضي المفتي العالم التقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال عنه عمر بن الخطاب -رجل الدولة-:  قضية ولا أبا حسن لها!
قال علي: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ".
ومن هذه المقولة يكون منطلقنا في هذا البحث الذي نفتش فيه عن المصالح والمقاصد التي يقوم عليها المفتي والمعلم والمجتهد في توجيه الناس وإرشادهم إلى ما يصلح أحوالهم في المعاش والمعاد، فمثل هذا الحكيم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يدرك كيف يتصل بالناس بعمومهم وخصوصهم، وكيف يحدثهم بما يعرفون وما يعقلون، فلا يتركهم إلا وقد استقر فهمهم للكلام مقصده وغايته، فلا يكون كلامه لهم فتنة في دينهم وفتنة في حياتهم، وربما يدفعهم إلى تكذيب الله ورسوله بقولهم أو فعلهم أو اعتقادهم، بسبب ما يقعون فيه أو يُوقِعُونَ فيه أنفسهم بسوء فهمهم من حرج وعنت واضطراب وتناقض بين ضروريات الأمن المجتمعي والأمن الروحي، فلا يستطيعون التوفيق بين تعاليم الدين ومقتضيات الحياة.
إن المفتي هو المرشد الموجه لعموم الناس وهو أقرب إليهم من الحاكم والفقيه والعالم والقاضي في مسألة التربية، لاحتكاكه المباشر بقضاياهم وهمومهم ومشاكلهم، وما يتعرضون له من شُبَهٍ وصعوبات.
إن المفتي الذي أعد إعدادا جيدا هو القادر على توجيه الخلق وعصمتهم من الفتن، وإشاعة أجواء الأمن والأمان في حياتهم، وصيانة عقائدهم وشعائر دينهم، ومن ثم فإنه أحد أهم عناصر المجتمع المنوط بها حفظ أمن الناس الروحي والفكري والديني.
وذلك لأن الأديان هي القادرة على تغير السلوك الإنساني وتحقيق التوازن والانضباط فيه؛ لأنها تباشر القلوب والأفئدة وتخاطب الأرواح والعقول في آن واحد، ولقد قام رجال التصوف في تاريخنا الإسلامي بهذا الدور، دور التربية الروحية والوجدانية، والمساهمة في تعديل السلوك الإنساني نحو الفاضل والرشيد، والسمو على اللذات والشهوات التي تهوي بالإنسان في الحيوانية والجمود.
والأخلاق سواء كانت التزاما فرديا أو جماعيا فهي في المنظور الديني معان موصولة بالعقيدة، والعقيدة هي ارتباط الأرض بالسماء وارتباط الإنسان بخالقه وارتباط السفلي بالعلوي، وعليه فإنها تُؤَمِّنُ للإنسان السمو والعلو وعدم الانحراف وراء السلوكيات الدنية كالجشع والأنانية والكبر.
ونخلص إلى أنه لا أمن حضاري بدون أمن روحي، ولا أمن روحي بدون أخلاق، ولا أخلاق بدون دين، وأن الدين هو أيقونة التكامل بين الروحي والمادي، والعقلي والوجداني، والدنيوي والأخروي، أو كما عبر فلاسفة الإسلام عنه بالشريعة والحقيقة. وهو الدور الذي قام به متصوفة المسلمين وأولياؤهم، ويجب أن يقوم به المفتي والمعلم في وقتنا المعاصر.
ولقد شاهدنا في السنوات القليلة الماضية نماذج وصورا لمفتين خرجوا عن نطاق علمهم ومجال خبرتهم فاشتغلوا بالسياسة، فألبوا الجماهير وحرضوها على النزول في الشوارع لمواجهة الحكام وإسقاط النظام، وصوروا لهم الأمر على أنه جهاد في سبيل الله، وانتصار للحق، وبراءة من أعداء الدين وعملاء الاستعمار، وغير ذلك من الهتر والخرف.
ولقد اغتر بكلام هؤلاء المفتين -الذين عملوا بعكس ما هو منوط بهم من حفاظ على الأمن المجتمعي والسلم الاجتماعي- شباب ورجال ونساء ضحوا بحياتهم وبأمنهم وحريتهم في سبيل هذه الفكرة التي أفتاهم بها هذا المفتي، الذي اعتقدوا في صدقه وإخلاصه، فرجع بعد سنوات من هذا العبث، وقد اغبر وجهه، بسبب ما عانته أسر ثكلت عائلها أو وحيدها، أو غير ذلك مما هو معروف ومشاهد. 
ونحن إذ نقدم هذا البحث عن دور المفتي في تحقيق الأمن المجتمعي نرجو الله عز وجل أن يحفظ بلدنا وأهلنا وأن يبارك في أعمالنا وأن يقينا الشرور ما ظهر منها وما بطن بحوله وقوته، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

اضافة تعليق