"وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح".. ماذا تعني؟

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017 12:00 ص

شرح الحديث : 

المتطلع إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، ليبهره جوانب التكامل في تشريعاته، مما يجعله موقنا بتفرد الإسلام في شموليته، فهو يدعو الإنسان إلى أن يحسن صلته بخالقه، وفي الوقت ذاته يضع الأسس المتينة، والقواعد الراسخة في تعامله مع غيره من الخلق .
 
ومن هنا تظافرت نصوص الكتاب والسنة مؤيدة لهذه الرؤية، وموضحة لمعالمها، وجعلت الإحسان هو الأساس الذي تنبثق منه هذه العلاقات، ونبهنا الله سبحانه وتعالى إلى ذلك في كتابه العزيز فقال: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، فبين وجوب العمل بمقتضى الإحسان، وأحاط العاملين بها بمعيته الخاصة، وشملهم برعايته وتأييده، كما قال عزوجل: "وإن الله لمع المحسنين"، كذلك فإنه قد بين السبل لتحقيق ذلك في الكثير من المواضع، ومن جملتها، الحديث الذي بين أيدينا، والذي جاء موضحا كيفية الإحسان إلى الخلق .
 
فبعد أن قرر النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الإحسان في كل ميدان، وعلى كل شيء، وأكد على ذلك بقوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، عرج بعدها بذكر مثالين اثنين، يلزم الإنسان المسلم فيهما مراعاة الإحسان، والمحافظة عليه .
 
ففي قوله: "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، توجيه نبوي إلى الإحسان في هيئة القتل، ويكون ذلك بالإسراع في إزهاق النفس التي أبيح دمها حال القصاص أو حال الحرب، ولئن جاز للمسلمين معاملة من حاربهم بالمثل، فإن ذلك لا يبيح لهم التمثيل بالقتلى، والتشويه للجثث بدون سبب شرعي، لما في ذلك من منافاة للمثل العليا التي يدعو إليها ديننا الحنيف .
 
ويدخل ضمن الأمر بإحسان القتل، تحريم التعذيب بالنار، وليس ذلك للبشر فحسب، بل حتى للحيوانات والحشرات، روى الإمام البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"؛ وهذا يؤكد حرص الإسلام على اختيار أيسر الطرق المؤدية إلى خروج الروح عند تحتّم القتل .
 
ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى قضية الإحسان في الذبح، بآدابه الراقية التي تجسد معاني الرفق بالحيوان، وذكر العلماء هذه الآداب في كتب الفقه، وأسهبوا في شرحها، فمن ذلك: أن يذبح البهيمة بآلة حادة، تعجل من خروج روحها، وإنهار دمها، فلا تتعذب كثيرا، يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحد الشفار"، وجعل العلماء ذلك شرطا في آلة الذبح، كما جاء في الحديث: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه ، ليس السن والظفر". 
 
ومن الإحسان في الذبح، ألا يقوم الذابح بحد شفرته أمام الذبيحة، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها فقال: "أتريد أن تميتها موتات ؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها ؟"، وكذلك فإنه يستحب له أن لا يذبح ذبيحة بحضرة أخرى، ولا يظهر السكين أمام الذبيحة إلا عند مباشرته للذبح .
 
ومن الرفق بالذبيحة، أن تساق إلى المذبح سوقا هينا، فلا يجرها بأذنها، أو يسوقها سوقا عنيفا، كما ذكر ذلك الإمام أحمد، فإذا أراد أن يذبحها، فعليه أن يضجعها على شقها الأيسر برفق، لما ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن، فأتى به ليضحي به، فقال لها: "يا "عائشة"، هلمي المدية"، ثم قال: "اشحذيها بحجر"، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه"، وصرح الإمام النووي بوقوع الإجماع على هذه المسألة، واستحب الشافعية أيضا عرض الماء على الذبيحة قبل ذبحها .
 
وبعد أن يسمي، يسرع في قطع الأوداج، وإنهار الدم، حتى يريح الذبيحة، ولا يباشر بقطع شيء منها، أو سلخها، حتى تتم الذكاة وتخرج الروح، ولا ينبغي له أن يبالغ في الذبح حتى يقطع الرأس، فإن ذلك مناف للإحسان إليها .
 
ومما سبق يزيد المرء إيمانا بكمال هذا الدين، وتناوله لجميع نواحي الحياة، وبهذا المنهج الرباني الذي يتألق سموا بتلك المعاني السامية، يمكن للبشرية أن تخرج من ظلمات التيه، لتقتبس من نور الإسلام، وترتبط بخالقها جل وعلا برباط محكم وثيق، فتعيش آمنة مطمئنة، وهذا ما نتطلع إلى حصوله بإذن الله العلي القدير .

اضافة تعليق