"اتق الله حيثما كنت".. التقوى سفينة نجاة المسلم

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
التقوى هي سفينة النجاة، ومفتاح كل خير، كيف لا ؟ وهي الغاية العظمى، والمقصد الأسمى من العبادة ؟، إنها محاسبة دائمة للنفس، وخشية مستمرة لله، وحذر من أمواج الشهوات والشبهات التي تعيق من أراد السير إلى ربه، إنها الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرحيل .
 
من هنا كانت التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين من خلقه، قال تعالى: "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله"، وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لجميع أمته، ووصية السلف بعضهم لبعضهم، فلا عجب إذا أن يبتدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيحته لمعاذ بن جبل و أبي ذر رضي الله عنهما .
 
والتقوى ليست كلمة تقال، أو شعاراً يرفع، بل هي منهج حياة، يترفع فيه المؤمن عن لذائذ الدنيا الفانية، ويجتهد فيه بالمسابقة في ميادين الطاعة، ويبتعد عن المعاصي والموبقات، وجسد أبي بن كعب رضي الله عنه هذا المعنى لما سئل عن التقوى ؟ فقال: "هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت ؟ قال: إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى"، وأخذ ابن المعتز رحمه الله هذا المعنى.
 
ومن تمام التقوى، أن يترك العبد ما لا بأس به، خشية أن يقع في الحرام، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه"، وفي هذا المعنى يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: "تمام التقوى، أن يتقي الله العبد، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما، فيكون حجابا بينه وبين الحرام، فإن الله بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"، فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله، ولا شيئا من الشر أن تتقيه .
 
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت" تنبيه للمؤمن على ملازمة التقوى في كل أحواله، انطلاقاً من استشعاره لمراقبة الله له في كل حركاته وسكناته، وسره وجهره، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت"، إشارة إلى حقيقة التقوى، وأنها خشية الله في السر والعلن، وحيث كان الإنسان أو صار، فمن خشي الله أمام الناس فحسب فليس بتقي، وقال تعالى في وصف عباده المؤمنين: "من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ، ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود".
 
ويظن ظان أن المتقي معصوم من الزلل، وهذا خطأ في التصور؛ فإن المتقي تعتريه الغفلة، فتقع منه المعصية، أو يحصل منه التفريط في الطاعة، وهذه هي طبيعة البشر المجبولة على الضعف، ولكن المتقي يختلف عن غيره بأنه إذا تعثرت به قدمه، بادر بالتوبة إلى ربه، والاستغفار من ذنبه، ولم يكتف بذلك، بل يتبع التوبة بارتياد ميادين الطاعة، والإكثار من الأعمال الصالحة، كما أمره ربه في قوله: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين"، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها".
 
ولئن كانت التقوى صلة مع الله تبارك وتعالى، وتقربا إليه، فهي أيضا إحسان إلى الخلق، وطيبة في التعامل، وإعطاء كل ذي حق حقه، وهكذا يظهر لنا التكامل والتناسق في القيم الإيمانية، فإن الأخلاق الحميدة رافد من روافد التقوى، وشعبة من شعب الإيمان .
 
وللأخلاق الفاضلة مكانة عظيمة في شريعتنا، فإنها تثقل ميزان العبد يوم الحساب، ويبلغ بها درجة الصائم القائم، وهو سبب رئيس في دخول الجنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟، قال: "تقوى الله ، وحسن الخلق". 
 
وإذا عرفنا ذلك، فإن هناك وسائل تعين العبد على التخلق بالأخلاق الحسنة، أعلاها: التأمل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء، لاسيما وأنهم أعلى الناس خلقا، وأوفرهم أدبا، فإذا أراد المسلم التحلي بالصبر، قرأ قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وإذا أراد التخلق بالحلم، نظر إلى حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، وهكذا ينهل من أخلاق الأنبياء، ويتعلم منهم شمائل الخير كلها.
 
وتبين من خلال هذا الحديث معاني التقوى وأحوالها، كما تبين أيضًا أن الإسلام يقبل من العاصي توبته، ولا يطرده من رحمة الله، وظهرت معالم الخلق الحسن وأهميته، فجدير أن نعمل بهذه الوصايا الثلاث.

اضافة تعليق