لماذا غاب الرضا رغم الرزق بالمال والعمل والصحة والأولاد؟

الأحد، 15 أكتوبر 2017 12:00 ص

بداية يقول الدكتور محمد عبدالعاطي، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر ، إن على الإنسان أن يعلم أن أيمانه يقوم على ستة دعائم وأركان وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، فلا يكتمل إيمان الإنسان إلا إذا آمن بالقضاء والقدر خيره وشره، ولو أن الإنسان كامل الإيمان لعلم أن ما من شئ كتبه الله له أو كتبه عليه إلا وهو مذكور فى اللوح المحفوظ قبل أن يولد هذا بسنين عديدة فقد قال تعالى "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" ، موضحا أنه لو كان الإنسان لديه اعتقاد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه لما وجدت هذه السلوكيات بين المجتمع المسلم ولو رضى الإنسان بقضاء الله واستحضر الحديث القدسى الذى يقول فيه الله عز وجل على لسان نبيه "من رضى بقضائى وصبر على بلائى وشكر نعمائى وقنع بعطائى جعلته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين" فلو رضى سيصبح من الصديقين ولو لم يرض لن يغير هذا أى شئ فى حياته.
 
وأضاف عبد العاطى، أنهما من شئ يصيب الإنسان إلا بقضاء الله فقد قال الشيخ الدردير رحمه الله "وكل أمر بالقضاء والقدر وكل مقدور فما منه مفر فكن له مسلما كى تسلما واتبع سبيل الناسكين العلماء" ، إذا فالإنسان الذى لا ترى فيه رضا فى الأحداث التى تجرى عليه فهو يحتاج إلى مراجعة نفسه فى عقيدته وإيمانه مع ربه، فإيمانه فيه خلل ونقص وعليه أن يعود ويتوب إلى الله عز وجل وهذا ملمح مهم جدا لابد أن نقوله كتفسير لعدم رضا الناس بالأحداث التى تصيبهم، موضحا أننا نحن كمسلمين لدينا اعتقاد راسخ فى قضاء الله وقدره ومن لم يؤمن بقضائه ولم يؤمن بالقدر فهو ناقص الايمان .
 
وتابع عبد العاطى، أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا فى مكة مستضعفين وكان الواحد منهم ينكل به وقد وصل الأمر لأن عائلة كاملة تستفز فى عرضها واراقة دمها وهى عائلة عمار بن ياسر فياسر وعمار وأمه الثلاثة يقتلون وتراق دماؤهم ويعذبون قبلها ويمر عليهم الرسول فيقول لهم صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، وعندما ترى بلال بن رباح الصحابى الجليل يوضع على جسده حجر ثقيل ويجر بجسده العارى على رمال ساخنة كالنار التى توقد الحجر وهو يقول بكل أريحية " أحد أحد "، وعندما تجد الصحابة رضوان الله عليهم يستعجلون المقاتلة والنصر وتلعب بهم الظنون فإذ بالرسول يقول لهم " ان الامم السابقة كان يؤتى بالرجل ويوضع على رأسه منشار فينشر رأسه على مفرك قدمه وكان ذلك لا يثنيه عن إيمانه"، وعندما يترك المهاجرون دورهم وأموالهم من أجل أن ينصروا الله ورسوله ولذلك سماهم الله الصادقون فهى نماذج مضيئة، بل أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته ودخل المخفر فى وجنتيه ووضع على جسده الشريف الأذى والقاذورات وتحمل النبى لا من أجل دنيا يصيبها ولا من أجل عرض زائل ولكن من اجل نصرة الإسلام ونيقذ الناس من الظلمات إلى النور .
 
وأوضح عبد العاطى، أن على الإنسان المبتلى ان يعلم أن أشد الناس بلاء هم الإنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل والذى لا يبتلى فعليه أن يراجع نفسه فربما يكون فى دينه خلل والله عز وجل لا يريد أن يشرفه بالابتلاء حتى لا يهبه الأجر على هذا البلاء لأن الشوكة التى يشاكها المسلم له بها أجر.
 
من جانبه قال الدكتور أحمد مصطفى معوض، مدرس الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، إنه لابد أن يعلم كل فرد بأن كل ما أعطاه الله له هو تفضل من الله عز وجل عليه ولذا لما سئل الأعرابى قديما عن بهائم يرعاها فقيل له مال من هذا ورغم أنه ملكه إلا انه أجاب اجابة حكيمة فقال "هذا مال الله فى يدى"، موضحا أنه على الإنسان دائما أن ينظر إلى من هو أدنى منه فلينظر إلى من فقد الصحة ومن فقد المال ومن فقد الولد أو ما شابه ذلك لأنه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه . " .
 
وأضاف معوض ، أن الإمام الحسن البصرى عندما أراد ان يعظ تلاميذه وأصحابه قال له "من نافسك في دينك فنافسه ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره"، فالصحيح إنه دائما فى أمور الدين والعلم وخدمة المجتمع فلابد أن ينظر الإنسان إلى من هو أفضل منه حتى يتعلم ويسعى ولكن لو كان الأمر يتعلق بالدنيا والعطايا والمال فعلى الإنسان ان ينظر إلى من هو أدنى منه فهذا أقرب إلى أن يذكر الله عز وجل، وكما قال العارفون إن الرضا هو باب الله الأعظم فهو مستراح العارفين وجنة المتقين فلن يصل للراحة والرضا إلا من كان راضيا بقضاء الله وقدره وما يعينه على ذلك ان ينظر إلى اهل البلاء.
 
وتابع معوض، أنه قد يكون لدى الإنسان المال وبخل به على نفسه فلم يرضى فقال الله تعالى "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " وقال تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق "، وقال النبى صلى الله عليه وسلم " كلوا واشربوا وتصدقوا فى غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده "، حتى لما جاء للنبى رجل لم يظهر عليه أثر النعيم فسأله النبى سؤالا عجيبا قائلا له "ألك مال ؟ فقال نعم من كل المال، فقال له النبى من أى المال؟ فقال يارسول الله قد أتنى الله من الإبل والبقر والغنم والرقيق والخيل، فقال له النبى: فإذا أتاك الله مالا فليرى عليك أثر نعمة الله عز وجل"، موضحا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحب سيدنا معاذ ابن جبل ، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ»، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديثه " من رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط . " 
 
وهناك الكثير والكثير من الروايات والقصص فى التاريخ الإسلامى التى توضح فضل الشكر وتحث المسلمين على الشكر والرضا ،فقد ذكر الامام الذهبى فى كتابه سير أعلام النبلاء، أن أحد السلف لرجل يشكو ضائقة مالية " أقرضك ببصرك هذا مائة ألف درهم ؟ قال الرجل : لا، قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ فما زال يذكره نعم الله عليه واحدة واحدة، ثم قال له: أرى عندك مئات الألوف وأنت تشكو الحاجة ؟ ، وجاء بالكتاب أن كعب الأحبار رحمه الله قال : "ما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فشكرها لله، وتواضع بها لله، إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة. وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها، إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له طبقات من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه"  ، وقال رجل لأبي حازم: ما شكر العينين؟ قال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شراً سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما. قال: فما شكر البطن. قال: قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ .

اضافة تعليق