"وجادلهم بالتي هي أحسن".. الجدل أمر مزموم إلا إذا ارتبط بالحسنى

السبت، 14 أكتوبر 2017 12:00 ص

وأرشدنا القرآن الكريم إلى هذا كله، فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ"، ثم بين الله تعالى سبب المناجاة "الكلام سراً" فقال: "إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ".
 
كما أن التناجي سرّاً من صفات المنافقين، لقوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ"، أوضحت السنة النبوية آداب المجالس وضوابط التناجي، فورد في الحديث المتفق عليه من رواية ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث".
 
فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ".
 
وسبب تحريم تناجي اثنين دون الثالث في الشر: أن التناجي يؤذي الشخص الثالث ويحزنه ويوقعه في الحرج ويشعره بمهانته وذله، وورد في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يحزنه"، وإيذاء المؤمن وإحزانه حرام لقوله تعالى: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا". 
 
وحرص الإسلام من هذه التوجيهات على نقاوة المجتمع من ألوان الكراهية والبغضاء والحزازات، وزرع الفرقة بين الناس، فيجب على المسلمين أن يكون كل منهما حذراً من الإساءة لغيره في المجالس المختلطة، فلا يتسبب في الإساءة للآخرين، ولا يكون عوناً للشيطان في قطع عرى المودة والصلة بين المسلمين.
 
قال القاري: "والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في الكفر إلا بسبب الجدال، وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلب المعجزة منه عنادًا أو جحودًا، وقيل: مقابلة الحجة بالحجة، وقيل: المراد هنا العناد، والمراء في القرآن ضربُ بعضه ببعض؛ لترويج مذاهبهم، وآراء مشايخهم، من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق، وذلك محرم، لا المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحق فإنه فرض كفاية".  
 
وقال المناوي: "أي الجدال المؤدي إلى مراء ووقوع في شك، أما التنازع في الأحكام فجائز إجماعًا، إنما المحذور جدال لا يرجع إلى علم، ولا يقضى فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان، ولا تأول على النصفة، بل يخبط خبط عشواء غير فارق بين حق وباطل".
 
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".  
 
وقال النووي: (والألدُّ: شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخصم فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حقٍّ، أو إثبات باطل".
 
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المراء في القرآن كفر"، فإن الجدال هو القوة والشدة ويقصد بالجدل شدة الخصومة، الجدال الرد في الخصومة بمعنى العناد والتمسك بالرأي والتعصب له، وورد لفظ الجدل في القرآن الكريم تسعة وعشرين مرة كلها في سياق الذم، إلا في ثلاثة مواضع وهي :  
 
قوله تعالى: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، وقوله تعالى: "وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن"، وقوله تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا"، أما بقية المواضع في القرآن الكريم فإما أن تكون في سياق عدم الرضا عند الجدال وإما عدم جدواه، أو لأنه يفتقد شروطاً أساسية كطلب الحق أو الجدال بغير علم أو يطلقه الكفار على الرسل، فالجدل لم يُؤمر به ولم يُمدح في القرآن الكريم على الإطلاق، وإنما قيد المباح منه بأن يكون بالحسنى والرفق واللين والمعروف، فلفظة الجدل مذمومة إلا إذا قيدت بالحسنى.

اضافة تعليق