مفاهيم إفتائية «23».. إجراء القياس في العبادات

السبت، 14 أكتوبر 2017 12:00 ص

وليس المراد بالقياس في العبادات إحداث عبادة زائدة عن العبادات الواردة؛ فلا يصح إثبات عبادة مبتدأة به، كصلاة سادسة أو حج آخر، فإنما يتم معرفتهما بالتوقيف لا بالرأي والاجتهاد، فإنه لا يجوز ابتداء إثبات العبادات بطريق القياس. 
 
والقياس في العبادات مختلف فيه على مذهبين؛ فيرى الحنفية المنع في أصول العبادات والمقدرات، وحيث يقول الشيخ الأسمندي الحنفي"اختلف الناس في إثبات أصول العبادات وغيرها من المقدرات، كالحدود والكفارات بالقياس، فذهب الكرخي وجملة من المتكلمين إلى المنع منه. 
 
وذهب الشافعي إلى جواز القياس فيما كان معقول المعنى مطلقًا سواء كان في العبادات أو غيرها، ومنع القياس في غير معقول المعنى مطلقًا، وهو مذهب جمهور الأصوليين، ولهذا يتفق الشافعية مع المانعين في أن ما كان كأعداد الركعات فغير معقول المعنى؛ فلذلك لا يمكن استنباط علة منها، وكل ما كان غير معقول المعنى لا يصح القياس عليه لعدم معرفة العلة؛ فمن شرط القياس عندهم أن لا يكون المقيس عليه تعبدياً، والأمور التعبدية لا يدخلها القياس.
 
ومنشأ اختلاف العلماء حول جواز إجراء القياس في العبادات وعدمه يرجع لأمرين:
 
* اختلافهم في كون جميع العبادات وأصولها معقولة المعنى فيجوز إجراء القياس فيها، ومع اتفاق الكل -على ما يظهر من نصوصهم– على أن معقول المعنى يجري فيه القياس، وغير معقول المعنى يمنع فيه القياس، أما الآمر الآخر وهو مفرَّع على الأول هل «دلالة النص» قياسية فيقال: إن الحكمَ الثابتَ بها ثابتٌ بالقياس؛ فيرى الحنفية أن دلالة النص هي: ما يَثْبُتُ بمعنى اللفظ لغةً لا اجتهادًا ولا استنباطًا بالرأي، فهي دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، لاشتراكهما في علة الحكم التي يمكن فهمها عن طريق اللغة من غير حاجة إلى الاجتهاد الشرعي، وذلك سواء أكان المسكوت عنه مساويًا للمنصوص عليه؛ للتساوي في العلة أم أولَى بالحكم منه؛ لقوة العلة فيه.
 
وأما الحنفية يرون أن الحكم الثابت بدلالة النص لم يثبت بصورة النص وذات النظم، كما في عبارة النص، كما أنه ليس ثابتًا عن طريق الاجتهاد والاستنباط بالرأي ليكون ثابتًا بالقياس، وإنما ثبت من طريق علة الحكم؛ وهذا لأن المعنى المعلوم بالنص لغة بمنزلة العلة المنصوص عليها شرعًا عندهم، فهي دلالة تعتمد على معنى النص وما يُفهم منه بحسب اللغة، فهي لفظية وليست قياسية، فتَثْبُتُ أحكام العبادات بها بخلاف القياس الأصولي.
 
وأما عند الشافعية وبعض الحنابلة فإن الحكم في المسكوت عنه يُعرف عن طريق الاجتهاد أو القياس الشرعي، لا بمجرد معرفة اللغة، والقياس معنًى يُستنبط بالرأي؛ ليتعدَّى به الحكمُ إلى ما لا نَصَّ فيه، فليس هو استنباطًا باعتبار معنى النظم لغة؛ ولهذا اختص العلماء بمعرفة الاستنباط بالرأي، وعليه فإن «دلالة النص» عندهم قياسية، فمتى ثبتت أحكام العبادات بـ«دلالة النص» يصح القول بأنها ثبتت بالقياس.
 
وقد استدل الجمهور لإجراء القياس في العبادات إذا عُقل المعنى بأدلة كثيرة منها:
 
*ما أخرجه الشيخان عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه أنه- قال: بَعَثَنِي النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- في حاجة فأجنبتُ فلم أجِدِ الماءَ، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تتمرَّغ الدابةُ، ثم أتيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- فذكرتُ ذلك له، فقال"إنمَا كانَ يَكْفِيكَ أن تقول بِيدَيْكَ هكذا. ثم ضَرَب بِيدَيه الأرضَ ضَرْبةً واحدةً، ثم مَسَحَ الشمالَ على اليمين، وظاهرَ كفَّيْهِ ووجهَه".
 
ووجه الدلالة أن عمارًا استعمل القياسَ في العبادات حيث قاس كيفية التطهيرَ بالتراب على كيفية التطهير بالماء، فكما أن الماء يَعم البدن في الغسل من الجنابة، فكذلك يقاس عليه التراب فيُعَمم به البدن، والرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لم ينكر على عمَّار استعماله القياس في العبادات، وإنما أخبره أن قياسه غير صحيح، والخطأ في مسألة لا يدل على بطلان القياس، بل إنه إقرار من الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ حيث لم ينكر عليه القياس في العبادات لما رأى عمارًا قاس فيها، فدل هذا على جواز القياس في العبادات؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
 
* أنه يجوز إثبات أحكام العبادات بأخبار الآحاد وكذلك يجوز إثباتها بظواهر النصوص، وإن كان طريق هذه الأدلة غلبة الظن ويجوز فيه الخطأ، فلما جاز إثبات أحكام العبادات بخبر الواحد وظواهر النصوص جاز إثباتها بالقياس؛ بجامع أن كلا منهما دليل ظني.
 
*عموم أدلة حجيَّة القياس؛ فهي دلت على جواز القياس في جميع الأحكام الفقهية ولم تفرق بين ما يخص العبادات أو المعاملات أو غيرها، والمرجع في ذلك هو معرفة العلة التي من أجلها شرع الحكم في الأصل، فمتى عرفنا العلة في الحكم المنصوص عليه، ووجدنا هذه العلة في الفرع، فإنه يصح القياس مع استكمال شروط القياس.  
 
 وعلى ذلك فتعليل قول القائل إنه لا يشرع القياس في العبادات بأن العبادات مبنية على نصوص الكتاب والسنة فلا يدخلها النظر والاعتبار؛ تعليل ضعيف؛ لأن البناء على نصوص الكتاب والسنة لا يختص بالعبادات وحدها، بل البناء عليها جارٍ في جميع الأحكام الشرعية من العبادات والمعاملات والمناكحات وغيرها، ولهذا فالاستدلال -لمنع القياس في العبادات- بكونها مبنية عليهما هو كلام ضعيف، ولا بد في كل مسألة من النظر فيها هل هي مما يعقل معناه أو مما لا يعقل معناه، ولهذا فلا بد من النظر الفقهي في كل مسألة على حدة، وجمع الأدلة الشرعية فيها، والنظر في أشباهها ونظائرها، وتدبر معناها وعلتها وحكمتها.
 
المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم. 

اضافة تعليق