فن التعامل مع الناس.. الاعتراف بالخطأ

الجمعة، 13 أكتوبر 2017 12:00 ص

والخطأ الحقيقي هو تمادي البعض في خطأهم، وعدم اعترافهم به، والإصرار عليه، والجدال عنه بالباطل، واعتبار الرجوع عنه نقيصة، وهذه مصيبة المصائب، حرصت الشرعة الإسلامية أنه ليس لصاحب بدعة توبة لما في الحديث"إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته" صححه الألباني في صحيح الترغيب؛ فلا توبة لصاحب البدع، ولأنه مفتون بها لا يقر بخطئه.
 
وكثير من الذين يخطئون لا يعترفون بخطئهم لعدة أسباب، ومنها: *الجدل والتبرير، وحيث أن الكثير من الناس يبحثون عن الأعذار والأوهام، كي يقدموها ليُخفوا خلفها خطأهم، ويُداروا بها عيوبهم، فيستمرون في خطئهم الذي بدأوه، وهم بذلك قد أضروا أنفسهم قبل أن يضروا غيرهم، وأساءوا إلى أنفسهم قبل أن يُسيئوا إلى غيرهم.
 
وقد يكون السبب وراء استسهال هذا التبرير وعدم الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق هو أن يكون صاحب هذا السلوك قد أُوتي جدلاً، وقدرة على البيان والإقناع، وفي قول الله تعالى "وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا" (الكهف: 54).
 
وذكرالقرآن  الكريم أمثلة توضح أنواع شخصيات الناس، وكما ورد عن الله تعالى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ" (البقرة: 204)؛ فهذا الصنف شديد الحجة، قوي البيان، لدرجة أن الله قد وصف حديثه أنه سيُعجب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحتى تقترب الصورة أكثر وأكثر؛ فإننا نذكر حالتان حالة يمكن الاستدلال بها كصورة من صور الضعف، ومحاولات التبرير، وقلب الحقائق والإصرار على الخطأ والتمادي في الباطل، وأما الحالة الآخرى التي تعترف بالخطأ والعودة إلى الصواب، وتصحيح المسار.
 
إبليس: فربه قد أمره بالسجود فأبى، فلما سأله عن السبب "… يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ"، وبرر موقفه، وجادل بالباطل، وأصر على موقفه "قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ" (طه:76-78). 
 
أما الحالة الآخرى آدم – عليه السلام- أيضًا أخطأ، لكنه سارع بالرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ، والمطالبة بالعفو والمغفرة هو وزوجته "قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(الأعراف:23)
 
الله تعالى يعلمنا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ  الله وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥النساء). 
 
وجب أن نقول الحق وحتى على أنفسنا؛ فلا أجامل نفسي واتبع هواي "فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا"، ورد في الحديث "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة …"، وكذلك وعدّ النبي ذلك من الكبر فقال "لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرّة من كِبْر"، فقال رجل: إن الرجلَ يحب أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسناً قال "إنّ الله جميلٌ يحب الجمال؛ الكبر بطر الحق وغمط الناس" رواه مسلم، وحيث أن معنى بطر الحق دفعه وردُّه على قائله وعدم الاعتراف به، أما معنى غمط الناس احتقارهم.
 
والبعض تجدهم يتعصبون لآرائهم ولا يقبلون بغيرها حتى وإن كان هذا الغير أصح وأصوب، أما القوامون بالقسط فهم الذين يحملهم تواضعهم على قبول الرأي الآخر، وتقديره والثناء عليه متى كان فيه الخير والصواب رافعين شعار "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"، وبل إن الناجحين دائما يوقنون بأن الإنسان بشر، والبشر قد يجتهد ومهما كان اجتهاده للوصول إلى القرار الصحيح، فإن احتمالات الخطأ وارده، ولا بد من تداركها، ولن يكون هذا إلا بالاعتراف بالخطأ ابتداءً.
 
أما البعض الآخر من الناس لا يُفضلون استشارة من حولهم أو الاستئناس برأيهم حول قضية من القضايا، خشية أن يُظهر ذلك عدم كفاءتهم أو عجزهم عن اتخاذ القرارات أو لتكبّر جبلت عليه نفوسهم، وأما أصحاب الفهم فيحرصون على الشورى، ويلتمسون فيها الخير والبركة، ولا مانع عندهم من العودة في آرائهم متى رأوا الصواب في غيرها، وقد قيل "لاخاب من استشار، ولا ندم من استخار".
 
يتصرف الواحد منا في غضبه تصرفات فيها الكثير من الأخطاء، يندم عليها بعد هدوئه لكنه لا يعترف بخطئه يبرر ما فعل على شماعة الغضب وكأنه لم يفعل شيئا، وأما القوامون بالقسط لا يضيرهم أبدًا أن يعملوا على إصلاح ما أفسدوه في لحظات الغضب، ولا يُكابرون في ذلك، بل ويُسارعون إلى الاعتذار إذا كان الأمر يستوجب الاعتذار، ويُصلحون من شأن ما أتلفوه إذا كان الأمر يستدعي الإصلاح .

اضافة تعليق