مفاهيم إفتائية.. المفهوم «22» إثبات الرخصة بالقياس

الجمعة، 13 أكتوبر 2017 12:00 ص

وَالرُّخْصَةُ في اللُغَةً السُّهُولَةُ؛ فقال الفيومي في (المصباح المنير) "وَالرُّخْصَةُ التَّسْهِيلُ فِي الأَمْرِ وَالتَّيْسِيرُ، وأما الرخصة في الشرع فمعناها قريب من المعنى اللغوي؛ فهي تيسير ورد على خلاف الأصل لرفع المشقة؛ فقال الإسنوي"وَأما فِي الشَّرْع فالرخصة هِيَ الحكم الثَّابِت على خلاف الدَّلِيل؛ لعذر هُوَ الْمَشَقَّة والحرج. 
 
وأما القياس فهو فِي اللُّغَةِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّسْوِيَةِ عَلَى الْعُمُومِ، قال الجوهري"وقست الشيء بغيره وعلى غيره أقيسُهُ قَيْسًا وقِياسًا، وأما َالقياس فِي الشَّرْعِ تَسْوِيَةٌ خَاصَّةٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، قال ابن قدامة "هو في الشرع حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما"، وحيث قيل"حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل"، لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل. 
 
وقد تكلم الأصوليون وغيرُهم عن هذه المسألة في الكلام على القياس وهل يتناول الرخص والحدود والمقدرات ونحوها أم لا، وأما الراجح في هذه المسألة فهو جواز القياس على الرخص في إثبات الحكم الشرعي، ولا مانع من ذلك إذا عرفنا العِلَّة وتحققنا منها.
 
وحيث أن الدليل على صحة ذلك فهو عموم الأدلة المثبتة للقياس من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، فكل حكم شرعي عرفت علته وتحققت في الفرع المطلوب الحكم فيه مع وجود باقي شروط القياس يلحق فيه حكم الأصل بالفرع؛ لأن الرخصة لا تخرج عن كونها حكمًا شرعيًّا، ولم يأتِ من الشرع ما يخرجه عن عموم الأدلة.
 
وكما يستدل أيضا بالقياس على ثبوت الرخص بخبر الواحد المفيد للظن، بجامع أن كلا منهما يفيد الظن، ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما،؛ فقال ابن بدران: «وَأما المعدول بِهِ عَن الْقيَاس فَلَا يَخْلُو من أَن تفهم علته أَو لا، فَإِن فهمت الْعلَّة فِيهِ ألحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ كقياس عرية الْعِنَب على عرية الرطب فِيمَا دون خَمْسَة أوسق؛ إِذِ الْعلَّة مفهومة، وَهِي الرُّخْصَة للنَّاس والتوسعة عَلَيْهِم إِذا احتاجوا إِلَيْهِ؛ وكقياس أكل بَقِيَّة الْمُحرمَات على أكل الْميتَة للضَّرُورَة؛ بِجَامِع اسْتِبْقَاء النَّفس بذلك، وَيُقَاس عَلَيْهِ الْمُكْرَه على أكلهَا؛ لِأَنَّهُ فِي معنى الْمُضْطَر إِلَى التغذي بها بالجامع الْمَذْكُور، وَإِن لم تفهم عِلة المعدول عَن الْقيَاس لم يلْحق بِهِ غَيره، وَذَلِكَ كتخصيص أبي بردة بِأَنَّهُ ذبح جَذَعَة من الْمعز فِي الْأُضْحِية، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- "هِيَ خير نسيكتيك، وَلَا تجزي جَذَعَة لأحد بعْدك"، (الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، والترمذي وصححه)
 
على أن الأحناف وبعض المعتزلة ينقل عنهم أنهم لا يدخلون القياس في الرخص وغيرها، أما أن الأحناف أنفسَهم يقرون بالقياس إن اتضحت العلة، كما يفهم من بعض نصوصهم، قال ابن أمير الحاج "وَفِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ: فَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ إثْبَاتُ الْحُدُودِ بِالْقِيَاسَاتِ، فَإِنْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ قَدْ اتَّفَقَتْ عَلَى إثْبَاتِ حَدِّ الْخَمْرِ قِيَاسًا، فَهَذَا إبْطَالٌ لِأَصْلِكُمْ فِي إثْبَاتِ الْحُدُودِ قِيَاسًا، قِيلَ: الَّذِي نَمْنَعُهُ أَنْ يَبْتَدِئَ إيجَابُ حَدٍّ بِقِيَاسٍ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ التَّوْقِيفُ، فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الِاجْتِهَادِ فِي شَيْءٍ وَرَدَ فِيهِ التَّوْقِيفُ فَيُتَحَرَّى فِيهِ مَعْنَى التَّوْقِيفِ، فَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَاسْتِعْمَالُ اجْتِهَادِ السَّلَفِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ ضَرَبَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ ضَرَبَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلُّ رَجُلٍ بِنَعْلِهِ ضَرْبَتَيْنِ فَتَحَرَّوْا فِي اجْتِهَادِهِمْ مُوَافَقَةَ أَمْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلُوهُ ثَمَانِينَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَنَقَلُوا ضَرْبَهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ إلَى السَّوْطِ كَمَا يَجْتَهِدُ الْجَلَّادُ فِي الضَّرْبِ وَكَمَا يَخْتَارُ السَّوْطَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْجِلْدِ اجْتِهَادًا. [تَنْبِيهٌ] الْكَفَّارَاتُ فِي هَذَا كَالْحُدُودِ بَلْ قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا مَا يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا، وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ" (التقرير والتحبير في شرح التحرير 3/ 241، ط. دار الكتب العلمية).
 
والراجح من أقوال أهل العلم جوازُ إثباتِ الرخص بالقياس شريطة العلم بالعلة والتحقق منها، المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.  

اضافة تعليق