الغش.. أسبابه وأحكامه وأضراره وسبل اجتنابه

الخميس، 12 أكتوبر 2017 12:00 ص

*معنى الغش : 
 
هو خلط الشيء بغيره، مما هو أقل منه في الثمن.
 
*الغش في الشرع  :
 
الغش: خلط الجيد بالرديء.
 
*اجتناب الغش وصية رب العالمين : 
 
قال تعالى: "وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"، وقال أيضًا: "وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"، أي: ولا تنقُصوا الوزن إذا وزنتم للناس وتظلِموهم.
 
قال الله تعالى: "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ".  
 
-قوله: ﴿ وَيْلٌ ﴾؛ أي: الوادي الذي يسيل مِن صديد أهل جهنم في أسفلها.
 
-قوله: ﴿ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ يعني: للذين ينقصون الناس، ويبخَسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم، أو موازينهم إذا وزنوا لهم، عن الواجب لهم من الوفاء.
 
قال سبحانه: "وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ".
 
قوله: "غِلًّا"؛ أي: غشًّا وحسَدًا وبغضًا.
 
.قال جل شأنه: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا"
 
قال تعالى: "تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ".
 
قال تعالى: "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ".
 
قال البغوي: "وَنَزَعْنَا": وأخرجنا، "مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ"  مِن غش وعداوةٍ كانت بينهم في الدنيا، فجعلناهم إخوانًا على سُررٍ متقابلين، لا يحسُد بعضهم بعضًا على شيءٍ.
 
قال تعالى: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".  
 
قال الإمام ابن جرير الطبري: قوله: "فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ"؛ أي: أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تَكيلون به، وبالوزن الذي تَزِنُون به، وقوله: "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ"؛ أي: ولا تظلموا الناس حقوقَهم، ولا تنقصوهم إياها.
 
*الرسول صلى الله عليه وسلم يحذرنا مِن الغش : 
 
حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الغش بجميع صوره في كثير من أحاديثه المباركة، وسوف نذكر بعضًا منها : 
 
روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صُبْرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعُه بللًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟" قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلتَه فوق الطعام كي يراه الناس؟ مَن غشَّ فليس مني".
 
قوله: "صُبرة"؛ أي: الكومة المجموعة من الطعام، سُمِّيت صُبرةً لإفراغ بعضها على بعضٍ، قوله "السماء" أي المطر، وقوله "فليس مني" أي ليس هو على سنته وطريقه.
 
قال الإمام النووي: الغش ليس من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وجعَلهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.  
 
*أسباب الغش : 
 
 (1) ضعف الإيمان بالله تعالى، وقلة الخوف منه.
 
(2) جهل المسلم بحرمة الغش، وأنه من الكبائر.
 
(3) عدم الإخلاص لله تعالى في العمل.
 
(4) الحرص على جمع الأموال من أي طريق كان.
 
(5) عدم تطبيق الأحكام لمعاقبة مرتكبي جريمة الغش.
 
(6) مرافقة أصدقاء السَّوء.
 
(7) التربية غير السليمة، التي تتنافى مع الأخلاق والآداب الإسلامية.
 
(8) عدم الرضا برزق الله تعالى.
 
(9) عدم تذكُّر الموت والدار الآخرة؛  
 
*حكم الغش : 
 
إن الإسلام يحرم الغش والخداع بكل صوره، في بيعٍ وشراءٍ، وفي سائر أنواع المعاملات الإنسانية، والمسلم مطالب بالتزام الصدق في كل شؤونه، والنصيحة في الدين أغلى من كل كسبٍ؛ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة".
 
قال الغزالي: الغش حرام في البيوع والصنائع جميعًا، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجهٍ لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يُحسِن الصنعة ويُحكِمها، ثم يبين عيبها، إن كان فيها عيب. 
 
*تحريم غش غير المسلمين : 
 
روى أبو داود عن صفوان بن سليم، عن عدة "أي: جماعة" من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دنيةً "متصلو النسب وهم الصحابة" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حَجيجُه يوم القيامة".
 
*أنواع الغش : 
 
 (1) الغش في البيع والمعاملات:
 
سوف نذكر بعض صور الغش في البيوع والمعاملات:
 
(1) بيع المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية.
 
(2) التلاعب في الأوزان؛ كأن يكتب على العبوة وزنًا معينًا ثم لا يكون وزنها في الحقيقة كذلك.
 
(3) تسويق بضاعة رديئة على أنها بضاعة جيدة، وذلك بوضع العلامة التجارية للبضاعة الجيدة على الرديئة.
 
(4) بيع المواد الضارة بالصحة، التي تسبِّب الأمراض المستعصية.
 
(5) وصف مكونات المواد المصنعة بأوصافٍ غير حقيقية.
 
(6) الغش في تنفيذ المقاولات وأعمال البناء، مثل: تقليل الحديد والإسمنت في البنايات، مما قد يتسبب في انهيار المبنى، ومقتل سكَّانه، أو إصابتهم بأذى.  
 
(7) بيع المصراة من الأنعام:
 
معنى التصرية: منع حلب ذات اللبن؛ إظهارًا لكثرته. 
 
لا يجوز للمسلم أن يترك الناقة أو البقرة أو الشاة عدة أيام حتى يجتمع اللبن في ضرعها؛ ترغيبًا للناس في شرائها؛ لأن في ذلك غشًّا للناس، وقد نهانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنه.
 
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُصرُّوا الإبل والغنم، فمَن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النَّظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاعَ تمرٍ".
 
(8) بيع النجش:
 
المقصود ببيع النجش: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقعَ غيرُه فيها، لا يجوز للتاجر أن يتفق مع شخص ما أن يتقدم أثناء وجود المشتري، فيرفع ثمن السلعة، وهو لا يريد شراءها، ليقتدي به المشتري، فيظن أنه لم يرفع ثمن هذه السلعة إلا أنها تستحق ذلك، فيغتر بذلك، ويزيد هو أيضًا في ثمن السلعة،  
 
وهذا البيع حرام؛ لأن فيه غشًا للناس  
 
غش الرعية للراعي : 
 
غش الناس لولي الأمر يكون بمدحه بما ليس فيه؛ كأن يذكروا له إنجازاتٍ لم يعملها، أو بعدم نصحه إذا رأَوْا منه منكرًا، وغير ذلك. 
 
الغش في القول : 
 
الغش في القول يكون عند إدلاء الشاهد بالشَّهادة، فيشهَد بشهادة فيها كذِب.
 
روى الشيخان عن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟"، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور"، فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت، قوله صلى الله عليه وسلم: (وقول الزور): أي الكذِب، وسُمِّي زورًا؛ لمَيَلانِه عن جهة الحق.
 
الغش في النصيحة : 
 
الغش في النصيحة لمَن يطلبها يكون بعدم الصدق فيها.  
 
روى أبو داودَ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمنٌ"،  
 
قوله صلى الله عليه وسلم: (المستشار)؛ أي: الذي يُطلَب منه المشورةُ والرأي، قوله صلى الله عليه وسلم: (مؤتمنٌ)؛ أي: أمينٌ فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخونَ المستشير بكتمان مصلحته.
 
*الغش في التعليم والاختبارات : 
 
الغش حرامٌ بإجماع العلماء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن غشَّ، فليس مني" وهذا عام يشمل الغش في الامتحانات وغيرها، قد يغش الطالب في الامتحانات ويحصل على شهادة لا يستحقها، ويتبوأ بها منصبًا وهو ليس أهلًا لذلك المنصب، وبهذا الغش يخرج جيلٌ جاهلٌ منحرف، غيرُ مؤهلٍ لقيادة الأمة. 
 
*آثار وأضرار الغش : 
 
 (1) الغش معصيةٌ لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يُفيد الغشَّاشَ إلا الوِزْرَ، والخزيَ العاجل والآجل إن لم يتُبْ.
 
(2) الغش دليلٌ على أن نفس الغشاش خبيثةٌ.
 
(3) الغاشُّ يعتبر من الكذَّابين والخونة والظلمة.
 
(4) الغش سببٌ لإضاعة حسنات الغشاش، أو لحمل سيئات غيره ممن غشهم وأخَذ أموالهم.
 
(5) الغشاش مستهين بنظر الله تعالى إليه.
 
(6) الغشاش مرتكبٌ لكبيرة من كبائر الذنوب.
 
(7) الغش يمحو البركة من عملِ ومالِ صاحبه.
 
(8) الغش يعتبر خيانة للأمانة التي كلف الله تعالى الإنسان بها.
 
(9) الغش دليلٌ على ضعف إيمان صاحبه.
 
(10) قد يتأثر أولاد الغشاش بسلوك أبيهم فيكونون غشاشين مثلَه، إلا مَن حفظه الله تعالى.
 
(11) الغش يجعل صاحبه في النار، إن لم يتُبْ قبل موته.
 
(12) الغشاش يعتبر ممن يأكل أموالَ الناس بالباطل.
 
(13) الغش من أسباب عدم إجابة الدعاء.
 
(14) الغش يُخرِج أجيالًا غيرَ قادرة على تحمُّل المسؤولية في المجتمع.
 
(15) الغش سبب لقطع الصلات، وزعزعة الثقة في المجتمع، وإثارة الأحقاد والبغضاء بين الناس، وسببٌ لنشر الفساد وتضييع مصالح الناس.
 
(16) ينظر الناس إلى الغشاش بعين الاحتقار.
 
(17) الغشاش يسيء إلى أولاده وأسرته وبلده، إذا اشتهر به؛ لأنه يلوثهم بهذه السمعة السيئة.
 
(18) الغش برهان على أن عند صاحبه من الطمع والبخل الشيء الكثير؛ بدليل عدم اكتفائه بما أعطاه الله تعالى.
 
(19) الغش حجر في طريق صاحب العمل، والناس إذا عرفوه بذلك انصرفوا عنه.
 
(20) الغشاش ليس في قلبه رحمة للمسلمين، وأنه لا يحب لهم ما يحب لنفسه. 
 
*وسائل القضاء على الغش : 
 
(1) بتضرع المسلم إلى الله تعالى بالدعاء بأن يكفيه بحلاله عن حرامه.
 
(2) إخلاص العمل لله تعالى.
 
(3) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة.
 
(4) تربية الفرد تربية سليمة، قائمة على الالتزام بأحكام الشرع الحنيف وآدابه.
 
(5) تقوية الثقة بالله تعالى، واستشعار مراقبته سبحانه.
 
(6) زيارة القبور، وتذكر الموت واليوم الآخر.
 
(7) الصبر في تحصيل الرزق الحلال بالوسائل المباحة.
 
(8) القناعة والرضا برزق الله تعالى.
 
(9) مجالسة الرفقة الصالحة.
 
(10) معاقبة مرتكبي الغش؛ لردعِهم عن ذلك.
 
(11) العلم بالحكم الشرعي بأن الغش حرام.
 
(12) تعليم الناس خطر الغش، وتبيين صوره.
 
(13) .النظر للعواقب السيئة للغش في الدنيا والآخرة

اضافة تعليق