الشبلي.. تاج الصوفية

الخميس، 12 أكتوبر 2017 12:00 ص



هو الشيخ الزاهد أبو بكر دلف بن جعفر بن يونس الشبلي، ولد في سامراء عام 247 هـ، وكان أبوه من رجال دار الخلافة بسامراء، وهو تركي الأصل من قرية شبلية من أعمال أشروسنة.

كان الشبلي يرى المظالم في عمله والسعايات بين الحكام بالباطل فيؤلمه ذلك، ولا يوافق هواه ونزعته الشاعرية، وأحس بقيود الوظيفة، وأراد خلعها لأنه يرى مصيره سيئًا في الدنيا والآخرة إذا استمر بالعمل مع هؤلاء المتكالبين على الدنيا.

وكان الشبلي قد جزع من العمل أميرًا عند الولاة وقرر الاستقالة من عمله، فطلب منه الجنيد أن يعود إلى وظيفته ويسترضي الناس، فرجع الشبلي لعمله وأقام فيها سنة، يسترضي خلالها الناس، ثم عاد إلى بغداد، وسلك سبيل التصوف وكان مالكي المذهب.

ظهر تأثير الجنيد في الشبلى، شأنه شأن الكثيرين من رموز التصوف ومريديه في زمانه، لا سيما في مسائل ثلاث وهى: التوحيد والمعرفة اللدنية والمحبة، كذلك في ربط الحقيقة بالشريعة، إذ كان الجنيد يجمع بينهما في مذهبه ويراهما ممتزجين لا فصل بينهما، وارتبط الشبلى بالجنيد ارتباطًا روحيًا شديدًا، فكان يجتهد في أن يأخذ عنه بقدر ما يستطيع، ويبحث عنه في كل مكان، ويسعى وراءه أينما حلّ.

لفت التزام الشبلى كثيرون فمدحوه على مجاهداته وحرصه الشديد على أن يتّسق فعله مع قوله. يقول عنه العروسى: كان الشبلى لا نظير له في مجاهداته ومعاملاته لربه، وفى كياسته وخوفه، وذكاء قريحته، وتنبيهه على مكملات الرجوع إلى الحق، باستحلال الخلق، وإن تحقق الخلو من خوفهم اتهامًا للنفس بالذهول والتقصير، أما عبدالوهاب الشعرانى فيقول عن الشبلى: لقد صار أوجد أهل الوقت علمًا وحالا وظرفًا.

وكان الشبلى يغار لله تعالى، فيغضب حين يجد أمامه مخالفة للحق، واتباعًا للهوى. وها هو يقول في هذه المسألة: الغيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله تعالى، والواجب أن يقال: إن الغيرة غيرتان، غيرة الحقّ سبحانه على العبد، وهو ألا يجعله للخلق، فيضنّ به عليهم، وغيرة العبد للحقّ، وهو ألا يجعل شيئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحقّ تعالى. فلا يقال أنا أغار على الله تعالى، ولكن يقال: أنا أغار لله تعالى، وإذن فالغيرة على الله جهل، وربما تؤدى إلى ترك الدين، والغيرة لله تعالى توجب تعظيم حقوقه، وتصفية الأعمال له.

كان الجنيد يقول عنه: لكل قوم تاج، وتاج هؤلاء القوم (الصوفية) الشبلي. وكان أبو عبدالله الرازي يقول: “لم أر في الصوفية أعلم من الشبلي، كان واحد زمانه حالًا ونفسًا.. ومن شدة زهده وعبادته كان يلقب بريحانة المؤمنين”. وإذا كان التصوف هو الزهد في الحياة، وترك السلطان، فإن الشبلي تجرد من كل ما تملك يداه من متاع الحياة وترك مجدًا تلألأت أنواره.

أما إذا اخذنا التصوف في اعلى مراتبه، وفي أرفع غاياته ألا وهو التصوف الذي أساسه المحبة والشوق إلى الله الحق، المرتبط بالمعرفة، فإن الشبلي قد أقبل على مجالس العابدين يملأ آفاقهم وجدًا وحبًا وأنسًا، وكان له دور نشيط في نشر التصوف، وكان يؤم حلقته في جامع المنصور خلق كثير. قال له الجنيد: “نحن حبّرنا هذا العلم (التصوف) تحبيرًا ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رءوس الملأ”.

يركز الشبلي في تعريفه للتصوف على الأخلاقيات والأحوال النفسية والقلبية، مما يدلل على الأهمية الكبيرة للمفاهيم والمبادئ الاخلاقية في مذهب الصوفي وهي مفاهيم مجسدة في تطبيقات الشبلي التي آلت به من “الغنى” إلى “الفقر”. قال عن التصوف: “هو ترويح القلوب، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء والبشر في اللقاء، وهو الجلوس مع الله بلا هم”.

وعن حالات الخطف الصوفي تحدث الشبلي قائلًا: “أن التصوف برقة محدقة”، وهي البرقة التي تقوده إلى وحدة الشهود، فالصوفي من لا يرى في الدارين مع الله غير الله، فالله هو الواحد الأحد القادر المهيمن. وكانت مناجاته للهتستولي على فكره وجوارحه وتبعده عن الانتباه إلى حاجات نفسه.

توفى الشبلى سنة 334 هـ بعد أن عاش سبعة وثمانين عاما كاملة، ودفن في بغداد في مقبرة الخيزران، وظل قبره شاهدًا يزوره الناس، من دون أن يعرف أغلبيتهم الكثير عن صاحب المقام، الذي عاش عالمًا زاهدًا تقيًا ملتزما بالشرع، هائمًا على وجهه في عشق الخالق العظيم، جلّ شأنه وعظمت قدرته.

اضافة تعليق