أحكام العقيدة والعبادة من سورة البقرة.. الجزء الثالث

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017 12:00 ص

المسلمون أمة أرادها الله تعالى ان تكون متميزة وقوله تعالى "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"(143)، وبذلك أنعم الله –عز وجل- أن تتميزالأمة المسلمة بقبلتها. 
 
 وعندما نزلت آيات تغيير القبلة ليتميزالمسلمون عن الكفار اعتبرالصحابة أن الصفا والمروة من شعائر الكفار وعليهم ان يدعوه أيضاً حتى يكونوا متميزين، ولكن جاءت الآية من الله تعالى "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" (آية 158)، للتوازن في التميز أن ليس على المسلمين أن يتميزوا عن كل ما كان يفعله الكفار فلا جناح عليهم أن يطوفوا بالصفا والمروة لأنها من شعائر الله وليس فيه تقليد للأمم السابقة. 
 
كما أن السورةَ الكريمةَ تحدثتْ عن أركانِ الإسلامِ بالتفصيلِ، وذكر الشهادتين، والصلاةِ والصيامِ، والزكاةِ، والحجِّ، وكما أن أجملتْ أركانَ الإيمانِ في آيةٍ واحدةٍ؛ فاشتملتْ علي العقيدةِ والعبادةِ، وكذلك اشتملتْ على كثيرٍ من المعاملاتِ، وفي قول الله -عز وجل- "لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (177). 
 
 وبعد أن اطاعوا وتميزوا مع الحفاظ على التوازن كان لا بد لهم من منهج اصلاحي شامل (الايمان بالله، بالغيب، ايتاء المال، اقامة الصلاة، ايتاء الزكاة، الوفاء بالعهود، الصابرين ، الصادقين، المتقين)، وكأنما الربعين الاول والثاني كانوا بمثابة تمهيد للأمة طاعة وتميز بتوازن واصلاح شامل وتبدأ من هنا الآيات بالاوامر والنواهي المطلوبة.
 
أوامر ونواهي شاملة لنواحي الإصلاح، ويتبين أن التشريع الجنائي(179) "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وكما أن التركات والوصيات في آية( 180) "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ"، وأما التشريع التعبدي في (آية 183) "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" وبذلك التعبد واحكام الصيام.
 
والجهاد والانفاق فيها دفاع عن المنهج ولا دفاع بدون مال وانفاق.  "وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" في آية (195)، وكما تحدثتْ السورةُ الكريمةُ عن الجهادِ والقصاصِ، ونحو ذلكَ منَ الحدودِ والأحكامِ، أما الجهاد والانفاق "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ"(190).
 
 
 
وذكرالله –عز وجل- في آيات سورة البقرة أحكام تخص الحج (196 - 200)، وحيث جاء آيات أحكام الحج بعد الجهاد؛ فالحج هو أعلى تدريب على القتال وأعلى مجاهدة النفس، وأيات الحج بالتفصيل وردت في سورة البقرة استجابة لدعوة سيدنا ابراهيم رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ" آية 128، واشتملت سورة البقرة على أركان الاسلام الخمسة  الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. 
 
 وللإسلام منهج متكامل تبين في قول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) آية 208، وحيث أن السلم هو الإسلام وهو توجيه للمسلمين أن لا يكونوا كبني إسرائيل الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" آية 85 وأن يأخذوا الدين كاملاً غير متجزأ فكأنما يوجهنا الله تعالى في سياق السورة الى الطاعة والتميز ثم يعطينا بعض عناصرالمنهج ثم يأمرنا أن نأخذ الاسلام كافة و لا نفعل كما فعل بنو اسرائيل ثم يكمل لنا باقي المنهج، وهذ الآية (ادخلوا في السلم كافة) وجودها في مكانها بعد الطاعة والتميز واتباع الاوامر والنواهي والجهاد والانفاق للحفاظ على المنهج ثم الاخذ بالدين كافة ثم التقوى التي تجعل المسلمين ينفذون.
 
ثم أحكام الاسرة حيث أخذتْ الأسرةُ حظًّا وفيرًا منْ هذه السورةِ الكريمةِ؛ فتحدثتْ السورةُ الكريمةُ عن الأسرةِ، والحقوقِ الزوجيةِ، وعن الطلاقِ والخُلعِ، والرضاعِ والنفقاتِ الواجبةِ، إلي غيرِ ذلك مما يتعلقُ بالأحوالِ الشخصيةِ، وسياق كل ذلك التقوى ونلاحظ نهاية الآيات بكلمة تقوى او مشتقاتها.
 
وتأخرت آيات احكام الاسرة عن احكام الصيام لأن الله تعالى بعدما أعد المسلمين بالتقوى وبطاعته جاءت أحكام الاسرة التي لا ينفذها إلا من اتقى وأطاع ربه؛ فالمنهج الاخلاقي والعملي متداخلين في الإسلام، ولا ينفع أن يبدأ باحكام الاسرة ما لم يكن هنالك تقوى في النفوس البشرية.
 
 
 
 

اضافة تعليق