شٌعب الإيمان.. إيتاء الزكاة

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017 12:00 ص

والزكاة شٌعب من شعب الإيمان، وحيث ورد عن عبداللَّه بن معاوية الغاضريِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم " ثلاث من فعلهنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَنْ عبد اللهَ وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة مالِه طيِّبةً بها نفسُه، رافدةً عليه كلَّ عام، ولم يُعطِ الهرِمة، ولا الدَّرِنة، ولا المريضة، ولا الشَّرَطَ اللئيمة، ولكن من وسَط أموالكم، فإن الله لم يسألْكم خيرَه، ولم يأمرْكم بشرِّه.
 
وكما أن الزكاة في اللغة النماء، يقال زكا الزرع إذا نما، ومعناها أيضًا التطهير قال تعالى "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا" (الشمس: 9)، سمِّيت بذلك؛ لأن في إخراجها نَماءً للمال، ويكثر بسببها الأجر، ولأنها تطهِّر النفس من رذيلة البخل.
 
وأما الزكاة شرعًا إعطاءُ جزء من النِّصاب إلى فقير ونحوه، غيرِ متَّصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه، ويمكن تعريفها بأنها: "نصيبٌ مقدَّر شرعًا في مال معيَّن، يُصرف لطائفة مخصوصة"، كقول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمعاذٍ حين أرسله إلى اليمن"... فإنْ هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتردُّ إلى فقرائهم.
 
الزكاة قاسم مشترك بين جميع الرسل، وتعتبرعبادة قديمة عرفت في الرسالات السابقة ذكرها الله تعالي في وصاياه إلي رسله فيقول: "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ" (الأنبياء: 73).
 
ويتحدث عن إسماعيل فيقول"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا  وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا" (مريم: 54، 55)، وكذلك يتحدث عن ميثاقه لبنى إسرائيل فيقول"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ" (البقرة: 83)، وكما قال على لسان المسيح عيسى في المهد"وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا" (مريم: 31). وقال تعالى في أهل الكتاب عامة"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ" (البينة: 5).
 
 أن دفع الزكاة لمستحقيها، سبب لتأليف القلوب، ولا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها أنها تعمل على تأنيس النفوس، وإشاعة جو من التعاطف والتراحم، وكما أنها سبب لتحقيق التعارف والتواصل بين المؤمنين، وتأكيد الأخوة والمحبة بينهم، وليس شيء أجلب لمحبة الناس، وكسب مودتهم من الإحسان إليهم، ومد يد العون لهم، والسعي في مصالحهم، والتخفيف من آلامهم. 
 
وحيث أن أداء الزكاة يحقق التكاتل الاجتماعي، وحيث أن زكاة مال الناس لو أديت زكاة الدخل القومي لبلد ما لكفت كل فقرائهم، وخاصة الأهل والجيران، كما ورد عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (صحيح البخاري)، وحيث قال علماء الفقه أربعين بيت يميناً من الجيران وأربعين بيت يساراً من الجيران وأربعين بيت غرباً من الجيران وأربعين بيت جنوباً من الجيران، أربعة أربعينات، وإذا وجد طوابق أيضاً إلى الأعلى، وإذا في أقبية إلى الأسفل، فهذه المنطقة التي يحاسب عنها الإنسان.
 
وحيث أن الزكاة تستل سخائم الفقراء، وتزكي نفوسهم من الضغينة والبغضاء، والحسد لأهل المال والثراء، بل تجعل الفقير يدعو لهم بالبركة والزيادة والنماء، وبهذا يتحول المجتمع إلى أسرة واحدة، تجللها المحبة والوفاء، وكما قال الله تعالى"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (التوبة: 103).
 
والزكاة تجب في أربعة أصناف؛ فالخارج من الأرض من الحبوب والثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم، وهي التي ترعى في البراري، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وهي السلع المعدة للبيع، ويدخل في ذلك الأراضي، والعمارات، والسيارات المعدة للبيع، وغير ذلك من أصناف السلع، ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود، لا تجب الزكاة فيما دونه. 
 
والزكاة ليست مورداً قليلاً أو ضئيلاً، بل هي العشر أو نصف العشر من الثروة الزراعية من الحبوب والثمار، وهي ربع العشر من الأثمان، والثروة التجارية، والثروة المعدنية، وهي نحو هذا المقدار من الثروة الحيوانية. 
 
وتبين حين الكلام عن مقدار ما يدفع لكل مصرف من مصارف الزكاة أن المحتاجين من الفقراء، والمساكين، والرقاب، وأبناء السبيل يعطون ما يكفيهم، ويسد حاجتهم، والعاملين لمصلحة المسلمين من العاملين على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم، والغارمين لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، يأخذون قدر ما يكافئ عملهم، ويصلح لمثلهم.
 
وحيث أن الأهداف والغايات السامية من إخراجك للزكاة أن تزكي طاعة لله ولرسوله "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ" (البينة: 5)، وكذلك الزكاة برهان على قوة الإيمان، ورد عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الطّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ. وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله تَمْلاَنِ (أَوْ تَمْلأُ) مَا بَيْنَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصّلاَةُ نُورٌ، والصّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلّ النّاسِ يَغْدُو، فَبَايعٌ نَفْسَهُ؛ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا"، (أخرجه مسلم). 
 
وكذلك حتى تكون من أهل الفلاح في الدنيا والآخرة " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى " (الأعلى: 14)، وحتى تحصنوا أموالكم؛ فأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن مسعود: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال"حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء". 
 
وجاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو قصر في إخراجها، قال تعالى"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" (التوبة: 34، 35)؛ فكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة.
 
 
 
 

اضافة تعليق