الابتلاء نعمة أم نقمة ؟ 

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017 12:00 ص

*لماذا يبتلينا الله تعالى : 
 
قال تعالى: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وقال أيضًا: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور"، فإن الله الذي بيده الملك والملكوت القدير أوجد الحياة والموت من العدم، ووضع الحياة والموت بمنتهى حكمته، ولمشيئته حكمة تتجلى فيها صفاته التي تم ذكرها في القرآن الكريم، وتسير في هذه المشيئة مراتب الخلق من البشر سواء في الدنيا أو في الآخرة، كلاً حسب عمله يهـدي محبة من الله تعالى وسابق علمه.
 
والحياة دار ابتلاء وشقاء للعبد، وتجتاز بالإيمان والعمل الصالح يرفعه، والموت فهو نهاية هذه الابتلاءات والأعمال، ويكون الموت كأحد أنواع الابتلاءات للأحياء في الدنيا عند فقـدانهم لعزيز، فينظرالله تعالى ماذا يكون رد فعل المبتلى به، أيجزع أم يصبِر ويرضى ؟ 
 
ومحصلة هذا الفعل فهي الغاية منه، يقول الله تعالى في كتابه العظيم
 
"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ
 
وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ"، وقال أيضًا: "يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ"، ولذا فإن الأعمال وحدها، لا المال أو الحسب أو الأولاد أو السلطة، هي التي تثقل الموازين خيراً كان العمل، فنعيم الجنة، وإن كان شراً، فخلود النار.
 
وتعد طريقة التعامل مع الشدة هي المهمة، فمن صبر واحتسب، وعمل ما في وسعه للخروج من هذه الشدة وفق مراد الله تعالى فقد فاز، ومن تعامل معها بالجزع والتذمر والإدبارعن الله تعالى فقد خسر الدنيا والآخرة، ولا يلومن إلا نفسه وإن الأفعال والتصرفات وفق الأخذ بالأسباب مع التوكل والدعاء تعمل كحلقة مترابطة متينة، تدفع الابتلاء من ظلمة النقمة الى ضياء النعم، فالعمل طاعة لله تعالى وهو فهرس كتاب المرء يوم الحساب، فقال تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، وليس هناك أحد يتمنى الابتلاء ولو كان مؤمناً شديد التقوى، ولكن الله تعالى قدر الجنة منازل ولا يرتقي الى أعلاها إلا أفضلهم عملاً وأشـدهم مجاهدة للنفس.
 
*من أول نعم الابتلاء : 
 
-نعمة الخروج من الغفلة :  
 
فالأنسان قد تلهيه أمور الدنيا وتأخذه متطلبات الحياة، وقد تنسيه عن تأدية كافة الطاعات للمولى عزوجل، فتأتي الشدة كوقع الصفعة تستوقفه ليرى حكمة خلق الأنسان والغرض منه، لتسحبه نحو خالقه سَحبَ المُحب لا الناقم سبحانه فيرى المبتلى بعدها لذة جديدة، وهي لذة القرب الى الله تعالى.
 
وأما أسلحة الابتلاء التي يجب أن يمتلكها المسلم للتعامل معها بنجاح : 
 
*الصبر : 
 
وخاصة عند الصدمة الأولى مثل فقد عزيز فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فله أجر عظيم، كما قال سبحانه في الحديث القدسي الشريف: "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته : قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد". 
 
*الاستعانة بالله تعالى والدعاء : 
 
وهناك من الأدعية التي ما نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم، للاستعانة بالله دون غيره فهو الكاشف للبلوى المعين على احتمالها فمنها، عن أبن عمر رضي الله عنهما) قال :  
 
اللـّهُم إقسِم لنا من خَشيَتِك ما يحول بيننا وبين معاصيـك ومن طاعَتِك، ما تـُبلغنا بها جَنَتـَك ومن اليقين ما يُهـوّن علينا مصيبات الدنيا ومتـّعنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوتَنـا ما أحييتَنـا واجعلهُ الوارِثَ منا واجعـَل ثأرَنا عَمـّن ظلَمَنا وانصُرنا على مـَن عادانا ولا تجعل مصيبتَنـا في ديننـا ولا تجعل الدنيا أكبَرَ همـّنا ولا مبلغ عِلمـِنا ولا تُسَلـِط علينـا من لا يرحَمنـا".
 
*الرضا بالقضاء : 
 
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: "قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
 
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
 
وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، ويقول الإمام ابن قيم الجوزيه في كتابه القيم: "مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين".
 
-هناك ثلاثة أنواع من الرضا : 
 
"الرضا بالله، والرضا عن الرضا، والرضا بقضاء الله"،  
 
فالأول هو رضى العامة، وهو الرضى بالله رباً وتُسخط عبادة ما دونه،
 
وهذا قطب رحى الأسلام وهو يطهـر من الشرك الأكبر،
 
والدرجة الثانية :  
 
هو الرضا عن الله، وبهذا نطقت آيات التنزيل، وهو الرضى عنه
 
في كل ما قضى وقـدر، وهذا من أول مسالك أهل الخصوص
 
أما الرضا بالقضاء الكوني القدري :
 
الموافق لمحبة العبد له وإرادته ورضاه، ومثاله من الصحة والغنى واللذة،
 
هو أمر ملازم بمقتضى الطبيعة ويقابله الشكر لله والأعتراف بالمِنـّة،
 
و"الرضى بالقضاء القدري" الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته،
 
فهو من مقامات أهل الأيمان, كالمرض والفقر.
 
فعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضي اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ "صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم" قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه».. 
 
وعن ابْن مسْعُود رضي اللَّه عنه قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّ "صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم" وَهُو يُوعَكُ فَقُلْتُ يا رسُولَ اللَّه إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكاً شَدِيداً قال: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُم» قُلْتُ: ذلك أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟ قال: «أَجَلْ ذَلك كَذَلك مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا إلاَّ كَفَّر اللَّه بهَا سيئاته، وَحطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا»، عنْ أَبي هُرَيرة رضيَ اللَّهُ عنه قال : قال رسولُ اللَّهِ "صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم": «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ».

اضافة تعليق