"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه".. الطاعات والتساهل في ارتكاب المحرمات

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
 
ارتضى الله سبحانه للبشرية الإسلام دينا، وجعله الدين الخاتم الذي لا يُقبل من أحدٍ سواه، وكان من سمات هذا الدين قوامه على الأوامر والنواهي، فهو يأمر بكل فضيلة، وينهى عن كل رذيلة، ومن هنا جاء هذا الحديث؛ ليبين الموقف الصحيح تجاه هذه الأوامر والنواهي.
 
وجاء في صحيح مسلم بيان سبب ورود هذا الحديث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم ؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"، وفي رواية أخرى: "ذروني ما تركتكم"، فأرشد صحابته إلى ترك السؤال عما لا يُحتاج إليه .
 
ولا يُفهم من النهي عن كثرة السؤال، ترك السؤال عما يحتاجه المرء، فليس هذا مراد الحديث، بل المقصود منه النهي عن السؤال عما لا يحتاجه الإنسان مما يكون على وجه الغلو أو التنطع، أو محاولة التضييق في أمر فيه سعة .
 
وإذا نظرت إلى منهج الصحابة في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت أسئلتهم على قسمين :  
 
القسم الأول: السؤال عما قد وقع لهم، أو أشكل عليهم، فمثل هذه الأسئلة مأمور بها شرعا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أمر عباده بسؤال أهل العلم، وها هم الصحابة رضوان الله عليهم قد ترجموا هذا الأمر عمليا، وسألوا عن الفأرة التي سقطت في سمن، وسألوا عن متعة الحج، وسألوا عن حكم اللقطة، إلى غير ذلك .
 
القسم الثاني: سؤالهم عما يتوقعون حصوله فعلا، ومن ذلك: ما رواه الإمام مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مُدى، فقال: "ما أنهر الدم، وذكر عليه اسم الله فكُل، ليس السن والظفر"، ومن ذلك أيضا سؤالهم عن الصلاة أيام الدجال، عندما يكون اليوم كالسنة، فأجابهم: "اقدروا له قدره".
 
وفي الحديث إرشاد للمسلم إلىكيفية التعامل مع الأحكام والنصوص الشرعية، ففي قوله صلى الله عليه وسلم "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" أمر باجتناب كل ما نهى عنه الشرع، سواء أكان محرما أم مكروها، وتأكيدا للمعنى السابق جاء التعبير بلفظة "اجتنبوا"، فهي لفظة تعطي معنى المباعدة، فكأنك تكون في جانب، والمعاصي في الجانب الآخر؛ لذلك هي أبلغ في معنى الترك .
 
أما فيما يتعلق بالأوامر، فلم نُكلف إلا بما نستطيع، وما يدخل في حدود الطاقة، فإذا عجز المكلف عن أمر، جاءه الشرع بالتخفيف، وهذا يدل على يسر الإسلام وسماحته، كما قال الله عزّوجل: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وانطلاقا من هذا المعنى، استنبط العلماء قاعدة فقهيّة مهمة، وهي قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، وجعلوها مبدأ ترتكز عليه كثير من الأحكام الفقهية .
 
والملاحظ هنا أن الشريعة شددت في جانب المنهيات أكثر من المأمورات، فعلقت تنفيذ الأوامر على الاستطاعة، بخلاف النهي، وذلك لأن الشريعة الغراء تسعى دائما للحد من وقوع الشر، والحيلولة دون انتشاره، ولا يكون ذلك إلا بالابتعاد عما حرم الله عزوجل، ولذلك يقول الله تعالى في محكم تنزيله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان"، فحرم الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الحرام، ومن باب أولى تحريم الحرام نفسه.
 
ومن خلال ما سبق، يتبين خطأ كثير من المسلمين، الذين يجتهدون في فعل الطاعات، مع تساهل عظيم في ارتكاب المحرمات، فتراه يصوم مع الناس إذا صاموا، فإذا جن عليه الليل لم يتورع عن مقارفة الذنوب، وارتكاب المعاصي، ناسيا أو متناسيا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مرشدا أمته: "اتق المحارم تكن أعبد الناس" رواه الترمذي، ولا يعني ذلك التهوين من أمر الطاعة، أو التساهل في أمرها، لكن كما قال الحسن البصري رحمه الله: "ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه".
 
ومن دلالات هذا الحديث أنه يربي المسلم على الجدية في التعامل مع هذا الدين، كما قال الله عزوجل: "إنه لقول فصل ، وما هو بالهزل"، وهذه الجدية تدعوه إلى أن يقبل بكليّته على تعلم ما ينفعه من العلم، ويجتهد في تربية نفسه وتزكيتها، مجردا قلبه عن كل ما يشغله عن هذا الهدف الذي جعله نُصب عينيه. 
 
وحتى يرسخ النبي صلى الله عليه وسلم فيهم هذا المبدأ؛ بين لهم خطورة الحيدة عن هذا المنهج الدقيق، وأثر ذلك في هلاك الأمم السابقة، والتي تكلفت في أسئلتها، واختلفت على أنبيائها، فكان سؤالهم تشديدا عليهم، وكان اختلافهم سببا لهلاكهم، وخير مثال على ذلك، ما كان عليه قوم موسى عليه السلام، فإنهم لما طلب منهم ذبح بقرة، تنطعوا في السؤال عن أوصافها، وتكلفوا في ذلك، وكان في سعتهم أن يأتوا بأي بقرة، ولكنهم أبوا ذلك، فشدد الله عليهم، ولما اختلفوا على أنبيائهم، لم تقبل منهم التوبة إلا بقتل أنفسهم، وعاقبهم الله بالتيه أربعين سنة، والجزاء من جنس العمل .

اضافة تعليق