مفاهيم إفتائية.. المفهوم «20» الدين

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017 12:00 ص

الدين في اللغة الجزاء والحساب، ومنه قوله تعالى"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" (الفاتحة: 4)، والحُكم، ومنه قوله تعالى "مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ" (يوسف: 76)، وأما الدين في اصطلاح علماء المسلمين فهو: كل ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام، سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو الأخلاق أو الأحكام العملية.
 
ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال "بينما نحن جلوس عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال " يا محمد أخبرني عن الإسلام"، فقال له "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، قال" صدقت "، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال " أخبرني عن الإيمان" قال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال" صدقت "، قال " فأخبرني عن الإحسان "، قال "أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال " فأخبرني عن الساعة " ، قال " ما المسؤول بأعلم من السائل" قال " فأخبرني عن أماراتها "، قال "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان" ثم انطلق فلبث مليا، ثم قال "يا عمر، أتدري من السائل ؟"، قلت "الله ورسوله أعلم "، قال "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (رواه مسلم). 
 
و بين النبي أن الدين يشتمل على أقسام ثلاثة هي: الإسلام والإيمان والإحسان، وأما الإسلام فهو الخضوع والانقياد الظاهر لأوامر الله تعالى ونواهيه، وأما الإيمان فهو الإقرار القلبي والتصديق الباطني لكل ما جاء به النبي.
 
قال الأزهري في تفسير قول الله تعالى "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"، وقال : "الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبه يحقن الدم؛ فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقادٌ وتصديقٌ بالقلب فذلك هو الإيمان، الذي يقال للموصوف به: هو مؤمن مسلم؛ فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم ؛ لدفع المكروه ، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدِّق؛ فذلك الذي يقول أسلمت، وحكمه- في الظاهر- حكم المسلمين".
 
 ويطلق كل منهما على الدين، لكنه لا يطلق ويراد به الدين إلا إذا انفرد عن صاحبه، أما لو اجتمعا في سياق واحد فيراد بكل منهما معنى مغايرٌ لمعنى الآخر، ويفرق بينهما بما تقدم من أن الإسلام هو الخضوع والاستسلام الظاهري، والإيمان هو التصديق والإقرار القلبي.
 
وأما الإحسان فقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل أنه يعني: مراقبة العبد ربه في كل أحواله، واستحضاره في كل حينٍ اطلاعَ ربِّه على سرِّه وعلانيته.
 
وحيث اتخذ علماء الأخلاق والتصوف من هذه القاعدة المحمدية أساسًا بنوا عليه جميع مباحث علم الأخلاق الذي يعتني ببيان أحوال العبد القلبية والوجدانية، وتمييز الصحيح منها والسقيم، وبيان كيفية مداواة الأمراض القلبية للوصول بالقلب إلى حال الصحة، ومدار ذلك كله على مراعاة العبد لاطلاع ربه على القلب، الذي هو محل نظر الرب سبحانه، واستحضاره أن ربه- المطلع على قلبه- يحب أن يرى في هذا القلب كلَّ خُلُق وحال صحيح، ويبغض أن يرى فيه كل خُلُق وحال قبيح.
 
وجب على الإنسان معرفة المنهج الحق الذي يحيط به علمًا ويلتزم به في حركته في الحياة حتى يحقق مراد ربه سبحانه وتعالى، لذلك اقتضت حكمة المولى سبحانه أن يرشد عباده إلى الدين الحق، لئلا يكون لأحد من العالمين على الله حجة، فأرسل إلى عباده الرسل وأنزل على رسله الكتب التي ترسم للناس معالم الدين الحق وأحكامه وقواعده، حتى إذا ما ساروا على هديها صلحت أحوالهم، واستقامت حياتهم، وساد الوئام والإخاء فيما بينهم، ففازوا بسعادة الدارين.
 
وكما أن دين الله تعالى واحد؛ هو الإسلام، الذي جاء به جميع المرسلين من آدم إلى سيد المرسلين: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ".
 
وإنما تعددت شرائع الأنبياء في الأحكام العملية؛ تبعا لاختلاف ظروف كل أمة من الأمم، مما يقتضي وجود بعض الاختلافات في الأحكام العملية، والتشريعات التي تنظم علاقات الأفراد بعضهم ببعض.
 
وأما الأحكام المتعلقة بالعقيدة والأخلاق فأمرها واحد عند جميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ".
 
 

اضافة تعليق