الصبر.. الطريق نحو الفضائل

الإثنين، 09 أكتوبر 2017 12:00 ص

الصبرفي اللغة الحبس والكف، قال تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ "(سورة الكهف،28)، أي احبس نفسك معهم، أما اصطلاحاً حبس النفس على فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه الله قال تعالى"وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ" (سورة الرعد22).

وإذا كان هذا شأن الصبر مع كل الناس، فأهل الإيمان أشد الناس حاجة إليه لأنهم يتعرضون للبلاء والأذى والفتن "الم  أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ" (سورة العنكبوت:1-4).

ورسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أشد أهل الإيمان حاجة إلى الصبر لأنهم الذين يقومون أساساً بالدعوة ويجابهون الأمم بالتغيير قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، وحيث واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- صنوف الأذى البدني والنفسي والمالي والاجتماعي والدعائي وغيره، وقاوم ذلك كله بالصبر الذي أمره به الله "ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (سورة يوسف102). 

أمر الله بالصبر لحكمه وهو سبحانه لا يحكم إلا بالحق والعدل، وقال له "فإنك بأعيننا"؛ فصيغة الجمع لزيادة التثبيت والتأنيس، ثم أمر بالتسبيح، ولعل السر فيه أن التسبيح يعطى الإنسان شحنة روحية تحلو بها مرارة الصبر، ويحمل التسبيح بحمد الله معاني جليلين لابد أن يرعاهما من ابتلي: تنزيه الله تعالى أن يفعل عبثاً، بل كل فعله موافق للحكمة التامة، فبلاؤه لحكمة، وكما أن له تعالى في كل محنة منحة وفي كل بلية نعماء ينبغي أن تذكر فتشكر وتحمد وهذا هو سر اقتران التسبيح بالحمد، وفي قوله "ربك" إيذان بكمال التربية ومزيد العناية.

وأن الله رتب عليه خيري الدنيا والآخرة وما كان كذلك كان تحصيله واجباً، ويتبن فضائل الصبر في القرآن الكريم، وحيث  علق الله الفلاح به في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون" (آل عمران: 200).

و مضاعفة أجر الصابرين على غيره "أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ( القصص54)، كما أنه جعل الصبر عوناً وعدة، وأمر بالاستعانة به "واستعينوا بالصبر والصلاة"، وكذلك علق النصر بالصبر والتقوى فقال: "بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين".

 وكما أن الملائكة تسلم في الجنة على المؤمنين بصبرهم " جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ" (24سورة الرعد)، وحيث أنه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (هود 10)، أنه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور: أي مما يعزم من الأمور التي إنما يعزم على أجلها وأشرفها

جعل الله محبته للصابرين "وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (آل عمران 146)، وكذلك أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى: "ثَّم كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ 17أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (سورة البلد 18)

وأنه تبارك وتعالى قرن الصبر بمقامات الإيمان وأركان الإسلام وقيم الإسلام ومثله العليا؛ فقرنه بالصلاة"واستعينوا بالصبر والصلاة" وقرنه بالأعمال الصالحة عموماً "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات"، وجعله قرين التقوى"إنه من يتق ويصبر"، وقرين الشكر"إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور"، وقرين الحق "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، وقرين المرحمة "وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة"، وقرين اليقين"لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون"، وقرين التوكل"الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون"، وقرين التسبيح والاستغفار "فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار"، وقرنه بالجهاد "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين".

وأخبرنا الله تعالى بطبيعة الحياة الدنيا، وأنها خلقت ممزوجة بالبلاء والفتن فقال "لقد خلقنا الإنسان في كبد"أي مشقة وعناء، وأقسم على ذلك بقوله"وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

وهو ما يسمى بالسراء فإن الصبر عليها أشد من الصبر على الضراء، قال بعضهم البلاء يصبر عليه المؤمن والعافية لا يصبر عليها إلا صِدِّيق، وقال عبد الرحمن بن عوف: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر"

وإن الصبر على طاعة الله أعظم مجالات الصبر وهو لذلك أشدها على النفوس وقد جاءت صيغة الأمر بالصبر على الطاعة مغايرة لغيرها فقال تعالى"رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته، هل تعلم له سمياً"، وقال: "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى".

الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وغير خاف عليك ضرورة صبر الداعية على ما يلاقيه في دعوته، فإنه يأتي الناس بما لا يشتهونه ولا يألفونه، وقد أجمع الأنبياء على رد أذى أقوامهم بالصبر "ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون"

وجب على كل مسلم أن يؤمن بحسن الجزاء عند الله تعالى؛ فلا نجد في القرآن شيئاً ضخم جزاؤه وعظم أجره مثل الصبرويقول مبيناً أن الصابرين يجزون بأحسن ماعملواا، وكذلك الثقة بحصول الفرج، وحيث يقين العبد بأن النصر مقرون بالصبر وأن الفرج آت بعد الكرب وأن مع العسر يسراً يقويه على الصبر على ما يلاقيه، قال تعالى "فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"،

ولهذا نجد يعقوب يكون أمله في العثور على يوسف أشد عندما أخذ ابنه الثاني فيقول: "فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً"، وقال لأبنائه "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

إن التأمل في سير الصابرين يعطي الإنسان شحنة دافعة على الصبر، في قوله: "وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين"، وحين نزل البلاء بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاءهم التذكير ببلاء من كان قبلهم"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"

وكما أن النفس موكولة بحب العاجل "خلق الإنسان من عجل"؛ فإذا أبطأ على الإنسان ما يريد نفد صبره وضاق صدره، ولهذا قال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-"فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم"، أي العذاب فإن له يوماً موعوداً.

اضافة تعليق