مفاهيم إفتائية «19».. القياس والتخريج

الإثنين، 09 أكتوبر 2017 12:00 ص

القياس في اللغة من مادة قَوَسَ، التي تدل على تقدير شيء بشيء، والمقدارمِقْيَاسٌ، وأما اصطلاحاً قيل في تعريفه إنه: مساواة فرعٍ لأصلٍ في علة الحكم، أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم، وحيث قيل: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما؛ بجامعِ حُكْمٍ أو صفة أو نفيهما.

وقد اختلف علماء الأصول في تعريف القياس، حتى قال إمام الحرمين: يتعذر الحد الحقيقي في القياس؛ لاشتماله على حقائق مختلفة، كالحكم، والعلة، والفرع والجامع، وقد برزت الحاجة للقياس حينما كثرت النوازل والمستجدات التي لم يأت في بيان حكمها نص بخصوصها، فالنازلة في الغالب الأعم يندر أن نجد فيها نصًّا واضحًا، ولهذا كان لا بد من إيجاد حكم لها من غير طريق النصوص المباشرة، وذلك بواسطة القياس الذي هو أصل من أدلة الأحكام الأربعة المتفق عليها بين فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة وجمهور علماء الإسلام، والتي هي: "الكتاب والسنة والإجماع والقياس".

وأركان القياس أربعة، وهي: الأصل والفرع والحكم والعلة، فالأصل: هو محل الحكم المشبه به، أو هو المقاس عليه لورود النصوص الشرعية به، والفرع: هو المشبَّه، أو المسألة المطلوب معرفة حكمها وليس فيها نص شرعي ظاهر. والحكم: هو ما ثبت بالشرع في الأصل كتحريم الخمر،والعلة: وهي الوصف الجامع بين الأصل والفرع.

ومثال ذلك تحريم كل ما يسكر أو يُذْهِب العقل -كالبيرة مثلاً- قياسًا على الخمر، فالأصل هنا هو الخمر وقد ورد حكمها في نصوص الشريعة قرآناً وسنة، والفرع البيرة ولم يَرِدْ فيها بخصوصها نص صريح، والحكم هو الحرمة قياساً على حرمة الخمر الواردة في نصوص الشرع، والعلة هي الإسكار والضرر الذي حرمت لأجله الخمر والذي هو حاصل أيضا في البيرة؛ فهذا مثال يوضح مدى الحاجة للقياس لضرورة معرفة الحكم الشرعي في كل ما يستجد من نوازل ووقائع.

وإذ إنه لا يمكن أن تخلو واقعة من حكم لله تعالى فيها، قال سبحانه: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ"(النحل: 89)؛ فمرجع القياس التفقه والمعرفة العميقة لأسرار الشريعة ومقاصدها وعلل أحكامها، ولهذا فالاستدلال بالقياس في أحكام الشريعة لا يحسنه كل أحد، بل هو من وظيفة العلماء الذين بلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق، كالأئمة المتبوعين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.

ولندرة المجتهد المطلق مع مرور الأزمان ظهرت الحاجة إلى ما يسمى بالتخريج على مذهب المجتهد، أو الاجتهاد في مذهب إمام بعينه، فهو يشبه القياس من حيث هو إلحاق فرع غير منصوص عليه بأصل منصوص، ويختلف عن القياس بأن الأصل الملحق به هنا هو نص الإمام المجتهد وقواعده لا نصوص الكتاب والسنة كما في القياس؛ إذ المخرِّج لا يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق ليتمكن من الاستقلال بإلحاق الفروع المستحدثة بالأصول المنصوص عليها في الشريعة، وإنما يتوصل لأحكام النوازل من خلال القواعد والأصول التي أسسها أئمة الاجتهاد لفهم أحكام الشريعة وعللها ومقاصدها.

وقد ذكر ابن بدران من الحنابلة في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" "أن التعبير بكلمة (التخريج) يقع في كلام الفقهاء والأصوليين، وأنه نوع من الاستنباط معناه: استخراج الحكم بالتفريع على نص الإمام المجتهد في صورة مشابهة، أو على أصول إمام المذهب؛ كالقواعد الكلية التي يأخذ بها أو الشرع أو العقل من غير أن يكون الحكم منصوصًا عليه من الإمام، ومن أمثلته: التفريع على قاعدة عدم التكليف بما لا يطاق".

ومما سبق يتبين أن هناك فارقًا بين القياس والتخريج من حيث إن القياس بمعناه الاصطلاحي أصل من أصول الأحكام الأربعة المتفق عليها لدى الجمهور والذي لا يستند إليه إلا المجتهد المطلق في فتاويه واجتهاداته الفقهية، في حين أن التخريج قياس في الهيئة فحسب، ويختص به المتفقه المجتهد في مذهب إمام من أئمة الاجتهاد المطلق؛ للوصول إلى الحكم الشرعي في النوازل غير المنصوص عليها مباشرة في الكتاب والسنة؛ وذلك من خلال أصول الإمام المجتهد وقواعد مذهبه في فهم الشريعة ومقاصدها.

المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اضافة تعليق