الاستخلاف بداية واحدة لقصص سورة البقرة.. الجزء الثاني

السبت، 07 أكتوبر 2017 12:00 ص

اختبار من الناس في طاعة الله تعالى فاختبار سيدنا آدم -عليه السلام- كان في طاعة الله (وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ)، وكذلك اختبار بني اسرائيل في طاعتهم لأوامر الله من خلال رسوله، وأيضاً اختبار لـ سيدنا إبراهيم؛ بذبح ابنه إسماعيل، وأيضاً اختبار طاعة لله تعالى (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ).

تذكير الله لبني إسرائيل بنعمته عليهم خلال تاريخهم الطويل، بداية من نجاتهم من فرعون وتظليل الغمام عليهم وتنزيل المن والسلوى عليهم وتفجير الصخر بالماء، وأيضاً تذكيرهم بما كان منهم من انحرافات عدة، وكيف أن الله يعفوعنهم في كل مرة، ودعوتهم للوفاء بعهدهم والتنديد ببعض أفعالهم

ومن هذه الانحرافات نقضهم للعهد والمواثيق مع ربهم وأنبيائهم، وقتلهم للأنبياء بغير حق؛ كفرهم بآيات ربهم، وعبادتهم للعجل ورفضهم الإيمان بما جاء به نبيهم حتى يروا الله جهرة، ومخالفتهم وصية الله لهم و هي أن يدخلوا القرية بكيفية معينة، اعتدائهم في السبت، ونسيانهم ميثاق الطور وتماطلهم وتجادلهم في ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة.

وجب علينا التدبر في آيات الذكرلا الحكيم وتبصير بمواقف بني إسرائيل التي يتجلى فيها العصيان والانحراف وإحجام ورجوع عن العهود والمواثيق.

وفي قصة البقرة أخطاء كثيرة لأنها نموذج من الذين أخطأوا وهي امتحان من الله تعالى لمدى ايماننا بالغيب، ويتوضح من خلال آيات سورة البقرة، قصة البقرة أن رجلاً من بني اسرائيل قتل ولم يعرف قاتله فسألوا سيدنا موسى فأوحى الله تعالى اليه أن يأمرهم بذبح بقرة لها صفات معينة ويضربوا الميت بجزء من البقرة المذبوحة فيحيا بإذن الله تعالى ويدل على قاتله (الآيات 69 – 71) وهذا برهان مادي لبني اسرائيل وغيرهم على قدرة الله -جلّ وعلا- في احياء الخلق بعد الموت.

 وذلك أن بنو اسرائيل كانوا ماديين جداً ويحتاجون الى دليل مادي ليصدقوا ويؤمنوا، وهذه السورة تقول لأمة محمد أنهم مسؤولون عن الأرض وهذه أخطاء الامم السابقة؛ حتى لا يقعوا فيها، وكذلك لا ينزل عليهم غضب الله تعالى ويستبدلهم بأمم أخرى. 

وتتابع أخطاء بني اسرائيل الى الآية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ"(104) وكان العرب يفهمون هذه الكلمة (راعنا) على أنها عادية ولكنها تعني السباب عند بني اسرائيل فأراد الله تعالى ان يتميز المسلمون عن اليهود حتى بالمصطلحات اللفظية وأمرهم أن يقولوا (انظرنا).

وقصة سيدنا ابراهيم وهي آخر تجربة ورد ذكرها في السورة، ومن ثم تحدثتْ عن الخليلِ إبراهيم، وبنائِه البيتَ الحرامَ، والذي جعلَه اللهُ مثابةً للناسِ وأمنَاً ومناسبتها لفض الخلاف بين أهل الكتاب الذين يرجعون أصولهم إلى إبراهيم عن طريق اسحق ويعتزون بنسبتهم إليه وبوعد الله له ولذريته بالنمو والبركة، وقريش الذين يرجعون أصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل  وتعتز بنسبتها إليه وتستمد منها القوامة على البيت وعمارة المسجد الحرام.

ويتبن من آيات الله، أنه ابتلى آدم في أول الخلق ثم بني اسرائيل ثم ابتلى إبراهيم، "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" وفي هذه الآية اثبات أن الاستخلاف في الارض ليس فيه محاباة فالذي يسير على منهج الله وطاعته يبقى مسؤولاً عن الأرض والذي يتخلى عن هذا المنهج لا ينال عهد الله "لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" (124).

وكما أن امتحن الله تعالى إبراهيم -عليه السلام- بكلمات فلما أتمهن، ثم دعا ابراهيم ربه أن يبعث في هذه الأمة رسولاً منهم، وفي نهاية قصة خليل الرحمن –عليه السلام- الآية "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ" وجاء ذكر الأنبياء كلهم وهذا مرتبط بآية سورة الفاتحة "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" (7سورة الفاتحة)؛ فكأنما كل هؤلاء المذكورين في آية سورة البقرة هم من الذين أنعم الله تعالى عليهم والذين يجب أن نتبع هداهم والصراط الذي اتبعوه.

 

 

 

اضافة تعليق