فوضوية الثأر تُنزَلُ العقاب بالأبرياء

السبت، 07 أكتوبر 2017 12:00 ص

وحيث أن الأخذ بالثأر على هذا الوجه فيه اعتداء عظيم على النفوس المعصومة، فالمقتول يُقتَل وليس له ذنب يُعاقَب عليه، والله تعالى يقول"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام: 164)، وكما يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسيرها "لَا يُؤْخَذ أحد بذنب غَيره".

ولذك حرص الإسلام أشدَّ الحرص على حماية الحياة الإنسانية، وجعل صيانتها من حيث هي مَقْصِدًا شرعيًّا، وحَرَّم الاعتداء عليها، وتَوَعَّد المعتديَ بالوعيد الشديد؛ فالإنسان بنيان الله تعالى في الأرض، مَلعونٌ مَن هَدَمه؛ وحيث روى الشيخان عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذَكَر الكبائر، أو سُئِل عن الكبائر، فقال "الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ".

وروى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال"يَجِيءُ المَقْتُولُ بِالقَاتِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ، قَتَلَنِي هَذَا، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ العَرْشِ"، ومعنى تَشْخب: تسيل.

ورتَّب الشرع الشريف عقوبةً حَدِّيَّة صارمة على القتل العمد، وهي القصاص من القاتل جزاءً وفاقًا لما اقترفته يداه، وحيث أن العمد هو قصد الفعل العدوان، والفعل بما يقتل قطعًا أو غالبًا؛ فإن عفا أهل القتيل أو أحدهم عن القاتل سقط القصاص عنه ووجبت عليه الدية؛ قال تعالى "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة: 178)، فأرسى الشرعُ بهذه العقوبة الردعَ المجتمعي اللازم؛ فبتطبيق القصاص تحقن الدماء.

ويتوضح في قول الله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"(البقرة: 179)، وحيث قال الإمام الرازي في "تفسيره(دار إحياء التراث العربي) "ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حقِّ من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا، أما في حق من يريد أن يكون قاتلًا، فلأنه إذا علم أنه لو قَتَل قُتِل تَرَك القتل، فلا يَقتل؛ فيَبقى حَيًّا، وأما في حق من يراد جعله مقتولًا؛ فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله، فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما؛ فلأن في شرع القصاص بقاء مَن هَمَّ بالقتل، أو من يَهِمُّ به، وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تعظم بسبب القتل، فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالَم من الناس، وفي تصور كون القصاص مشروعًا زوال كل ذلك، وفي زواله حياة الكل".

وراعى الشرع أيضًا بعقوبة القصاص نفسية أهل المقتول التي تفور بالألم والرغبة في مكافأة دم صاحبهم، ولم يفرض عليهم التسامح فرضًا، بل جعله خيارًا مُرَغَّبًا فيه، يثاب فاعله ويؤجر عليه، وكما قال الإمام البيضاوي في "تفسيره"(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا)غير مستوجب للقتل (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ) للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث (سُلْطَانًا) تسلطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه، أو بالقصاص على القاتل؛ فإن قوله تعالى: (مَظْلُومًا) يدل على أن القتل عمد عدوان؛ فإن الخطأ لا يسمى ظلمًا، (فَلَا يُسْرِفْ) أي: القاتل. (فِي الْقَتْلِ) بأن يقتل من لا يستحق قتله؛ فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك، أو الولي بالمثلة، أو قتل غير القاتل".

وكما روى الحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نظر يوم أحد إلى حمزة وقد قُتِل ومُثِّل به، فرأى منظرًا لم يرَ منظرًا قط أوجع لقلبه منه ولا أوجل، فحلف وهو واقف مكانه: "وَاللهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ"، فنزل القرآن وهو واقف في مكانه لم يبرح: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" حتى ختم السورة، وكَفَّرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن يمينه وأمسك عما أراد.

وكذلك فإن القاعدة الشرعية تقول: إن "الضرر لا يزال بالضرر"؛ فإذا كان أهل المقتول قد تضرروا بقتل قريبهم، وأصابتهم المرارة ولحقتهم الأحزان فلا يعطيهم هذا مبررًا مقبولًا في أن يُداوُوا مراراتهم بإلحاق الضرر بالأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا جريرة فيما وقع للمقتول.

وإقامة العقوبات في العصر الحاضر في ظل دولة المؤسسات إنما تناط بجهة محددة تُسنَدُ إليها، وهي السلطة التنفيذية، وهذه الجهة لا تستطيع أن تُنَفِّذَ عقوبةً ما إلا بعد أن تَبُتَّ فيها الجهة المختصة بالسلطة القضائية، فتقوم بالنظر في الواقعة المعينة، وتستوفي فيها الأدلة والقرائن، وتستنطق الشهود، وتنظر في الملابسات والظروف المحيطة، ثم تقضي بعقوبة مخصوصة فيها، وهذه الجهة بدورها لا تستقل بعقوبة لم يُنَصَّ عليها في القانون المعمول به في البلاد، والذي تقوم على اختياره وصياغته الجهة المختصة بالسلطة التشريعية.

وكل جهة من هذه الجهات الثلاث تُعَدُّ هي ولي الأمر فيما أقيمت فيه، ولذلك فإن قيام آحاد الناس الآن بتطبيق العقوبات بأنفسهم فيه افتياتٌ على أصحاب هذه السلطات الثلاث؛ فقد يُعاقَب المجرمُ بغير ما قُرِّر له من العقوبة في القانون، وقبل ذلك فإنه يُدان من هؤلاء المُفْتَاتِينَ بلا تحقيق أو دفاع، ثم إن إنزال العقاب يحصل بعد ذلك من غير ذي اختصاص، وفي بعض الأحوال يُنزَلُ العقاب بالأبرياء الذين لا ذنب لهم، وكلُّ هذا في النهاية يقود المجتمع إلى الفوضى وإلى الخلل في نظامه العام.

فإن من أخذ بثأر فقيده من أحد أقارب المتهم بالقتل جرم جسيم ومُحَرَّم عظيم؛ لما فيه من تسويغ الفوضى والجور والاعتداء على الأنفس المعصومة بغير حق شرعي.

اضافة تعليق