من هو كازو إيشيغورو الفائز بجائزة نوبل للأدب؟

الجمعة، 06 أكتوبر 2017 12:00 ص

وأشادت سارة دانوس السكرتيرة الدائمة للأكاديمية بإيشيغورو “لكشفه النقاب عن هاوية تقبع أسفل إحساسنا الوهمي برابطة تصلنا بالعالم في روايات تتمتع بقوة عاطفية هائلة”. كما وصفت كتاباته بأنها “موسومة بصيغة مكبوحة بدقة في التعبير بمعزل عن أي أحداث أخرى تجري”.

وفي أول تعليق له على نيله الجائزة قال الكاتب لهيئة بي بي سي “إنه لشرف عظيم لأن ذلك يعني خصوصا أني أسير على خطى أعظم الكتاب الذين عاشوا على هذه الأرض، وهذا تقدير رائع”، مشددا على أنه “مذهول” بنيله الجائزة.

نال صاحب رواية “بقايا اليوم” (1989) الجائزة المشتهاة البالغ قيمتها 691 ألف جنيه إسترليني عن مجمل أعماله، منضما إلى قائمة مهيبة من الكتاب من أمثال ألبير كامو وغابريل غارسيا ماركيز وأليس مونرو والفائز في العام السابق مؤلف الأغاني الأميركي بوب ديلان، الذي مثَّل فوزه ضربة لسمعة الجائزة التي تنتقي كاتبا أبدع “أعمالا بارزة في اتجاه مثالي” على حسب تصريحها.

والمثالية هنا نسبية ولا شك، ‘مثالي’ كما تراه اللجنة ذات الجذور الأوروبية التي لا تنضب مفاجآتها سواء جاءت تقليدية الطابع أو متطرفة حين اختارت بوب ديلان أو الصحافية البيلاروسية تسفيتلانا أليكسيفيش في العام 2015.

واليوم تنتخب اللجنة المثال العكسي لبوب ديلان، وهو روائي حداثي صاحب عبارات كالمنمنمات فرد جناحيه بين ثقافة يابانية، ولد فيها وأخرى بريطانية نشأ بين أحضانها.

وعنه قال الروائي الأيرلندي كولم تويبن، إنه قد برع في وصف حالة أفراد المجتمعين الشرقي والغربي السياسية والمجتمعية العميقة على لسان رواة يتحدثون عن أتراحهم وأفراحهم على خلفية إشارات متعددة عن الموسيقى الكلاسيكية.

وإيشيغورو، الفائز رقم 114 بأكبر جائزة أدبية في العالم، كاتبٌ يتسم بالانعزال الشديد ويستمتع بعزلته الهادئة المشربة بتواضع محبب. وقد سبقه من اليابانيين في الفوز بجائزة نوبل ياسوناري كاواباتا عام 1968 وكنزابورو أوي عام 1994.

وأوضحت الأكاديمية أن “المواضيع التي يرتبط بها اسم إيشيغورو حاضرة منذ البداية متمثلة في الذاكرة والزمن والتوهم الذاتي”. مؤكدة أن “كتاباته مطبوعة بأسلوب تعبير مكبوح بعناية ومستقل عن الأحداث المختلفة الدائرة”.

وقالت دار النشر التي تصدر أعمال الكاتب المتوج فابر اند فابر في تغريدة لها “نحن مبتهجون جدا بفوز كازو إيشيغورو بنوبل الآداب”.

ويجمع إيشيغورو الكتوم بين التأمل الياباني والهدوء البريطاني وكان يحلم بأن يكون مغني بوب يؤلف نصوصه على غرار بوب ديلان وليونارد كوهين. ويتمتع بأسلوب أدبي من الأجمل بين أبناء جيله مع أن الإنكليزية ليست لغته الأم.

وقال الكاتب في مقابلة سابقة له العام 1989 “أنجذب إلى بيئة ما قبل الحرب وما بعدها لأني أهتم بالقيم والمثل التي تتعرض للاختبار ومواجهة الناس لمفهوم أن مثلهم لم تكن فعلا ما كانوا يظنون قبل خضوعها لهذا الاختبار”.

وكان جزء كبير من النقاد يترقب قرار الأكاديمية هذا العام لأنهم لم يستسيغوا منح الجائزة إلى المغني الأميركي العام الماضي.

قضايا الهوية الضائعة

ولد كازو إيشيغورو في الثامن من نوفمبر العام 1954 في ناغاساكي اليابانية التي اجتاحتها القنبلة النووية العام 1945، وانتقل في العام 1960 وهو في سن السادسة إلى بريطانيا بسبب دواعي عمل والده عالم المحيطات.

هناك في بريطانيا واصل دراسته حتى حصل على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية، وقدم الكثير من الأعمال الأدبية التي مكنته من أن يصبح أحد أهم كتاب الرواية في العالم المتحدث باللغة الإنكليزية، وتعكس أعماله هذه الثقافة الثنائية.

ولا تحتل روايات إيشيغورو قوائم أفضل المبيعات بيد أنها تكتسب احتراما نقديا وفنيا واسعا، قد لا يتأتى لأي كاتب آخر يكتب باللغة الإنكليزية في الوقت الحالي.

معظم كتاباته سياسية الطابع وتتشرب بقضايا الهوية الضائعة، وغالبا ما ترتبط بماضي أسيف يعود إلى الحرب العالمية الثانية. وكتاباته مزيج في الظاهر من أعمال فرانز كافكا وبروست، ولكنها في الحقيقة، ولصمتها الجليل وحسها الغائر بالحياة ومزالقها المحسوسة والمعنوية، تماثل إلى حد كبير أعمال الفرنسي موديانو رفيقه السابق في نيل جائزة نوبل.

وتحمل روايات إيشيغورو تأثير ثقافته الأم اليابانية ممتزجة بمسحة بريطانية مكتومة تنزع إلى خلق صلات عاطفية واهية باللغة الشعرية أو الحبكة المفتوحة بلا نهاية أو البيئة الصلدة المنفرة لسكانها.

وقد اكتسب تلك النزعة المكبوحة من ترعرعه في بريطانيا وتأثره بكتاب من أمثال جين أوستين رغم احتفاظه بصبغة خاصة به وتكوينه “لعالم جمالي يتفرد به” كما قالت اللجنة السويدية.

وحازت أعماله على استحسان نقدي عالمي وحصل على العديد من الجوائز الدولية. وكتب عددا من الأفلام السينمائية من أشهرها “أكثر الموسيقى حزنا في العالم” عام 2003. ومنحته الحكومة الفرنسية لقب فارس الفنون والآداب عام 1998، وترجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة. والعديد من كتبه صدرت باللغة العربية عن المركز القومي للترجمة في القاهرة.

ويعد إيشيغورو في هذا السياق النقيض المقتضب لكاتب مثل الإنكليزي توم ماكرثي الذي يسهب في تعرية أبطاله وحيواتهم دون أن يخلف شيئا للخيال. إيشيغورو على الجانب الآخر صرح في أحد حواراته أنه “ينبس بكل شيء همسا أو دون أن يقول أي شيء!” عنده الإلماحة أو الإضمار أداة خلاقة تعكس منظورا رومانسيا للتعددية الإنسانية. وبأدواته يغدو “المنطقي” أو “الواضح” موضوعا فلسفيا لاعتقاده أن المنهج الشكي في الحياة يخلق لنا عوالم جديدة من المعرفة بذواتنا.

لقد كان عام 1945 لحظة فارقة في ضمير العالم، وإيشيغورو يتعاطى مع الحرب بكل المهابة المستحقة في كل رواياته. في “فنان من العالم الطليق” يرصد هزيمة اليابان وهي الأمة الأبية بقوميتها التي شهدت جيشانا اجتماعيا واحتلالا سياسيا هشم روحها. تنثال على ذاكرة البطل، وهو رسام متقاعد، ذكريات انخراطه في إسقاط وطنه في هاوية البروباغاندا القومية.

وفي النهاية تضع الحرب أوزراها واليابان تتشح بلباس أسود تهيمن عليه الثقافة الأميركية مع تقوض الكرامة اليابانية العتيدة وانهيار مدن يكاد يخفق مواطنوها في تعداد أمواتها.

ويصف الكاتب الجنود الشبان وهم يعودون من الحرب ليستحيلوا رجال أعمال، وكلهم لهفة لنسيان الماضي الإمبريالي وتكريس بقية حياتهم للرأسمالية الصاعدة بقلم فيه من التعاطف الحي ما يجعله يتماهى معهم في النهاية.

وفي رائعته الروائية “بقايا اليوم” التي فازت بجائزة البوكر البريطانية وتحولت إلى فيلم بطولة أنتوني هوبكنز، يدلف إيشيغورو إلى الماضي بإحساس المذنب القاتل الذي يضلل ذاته، والكاتب يمنح الملامح الاجتماعية والسياسية لمجتمعه أنفاسا جديدة بين كل مشهد.

يضيع بطل الرواية ستيفنز، وكان كبير الخدم عند لورد ذائع الصيت بين الحرب العالمية الأولى والثانية، ما بين إشباع اللحظة الآنية وضمير موجع لاشتراكه عن علم مضمر في كارثة أطاحت بجيل كامل. لا يتصالح كبير الخدم مع ما اقترفته يداه من معاص، بل إنه، شأن العديد من شخصيات إيشيغورو اليابانية، أحيانا ما يبدو عازفا عن الاعتراف بها وناكرا لها.

اضافة تعليق