شُعب الإيمان.. الإيمان بالقضاء والقدر

الخميس، 05 أكتوبر 2017 12:00 ص

والإيمان بالقضاء والقدر يزيد الإنسان بالرضا، كما قال المصطفى -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه خيرٌ؛ إن أصابتْه سرَّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبَرَ فكان خيرًا له"، وحيث وجب أن يعلم المؤمن أنَّ الإيمان، إنما هو تصديق بالْجَنان، وأن يعمل بالأركان.

القضاء يعني إيجاد الله  تعالى الأشياءَ حسب عِلمه وإرادته، وأما القَدَرهو عِلم الله بما ستكون عليه المخلوقات في المستقبل، كما أن هناك تعريف آخر؛  فأنُّ القضاء هوعِلمُ الله السابقُ بالأشياء وكتابته لها، وأمَّا القدر؛ فهو وقوع هذه الأشياء وحصولها كما كتَبَ الله، وقال الله تعالى:"مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (مريم: 35).

يُدين المؤمن بعقيدة الإسلام، ويتصفون بالوسَطٌية بين المُغالين في القَدر؛ فأهل المعاصي والموبقات يحتجُّون بالقدر في تبرير معاصيهم ومُنْكَراتهم؛ فقال الله تعالى: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ"  (الأنعام: 148).

فقالوا الكفار بأمر الله: "لَوْ شَاءَ اللَّهُ"؛ أي إنَّ كُفْرَنا ليس منَّا، وإنما بمشيئة الله وإرادته عمَّا يقولون، لكنَّ الله تعالى؛ فَجَأَهم بالردِّ في الآية الكريمة ردًّا صارمًا، وحيث أنَّ الله تعالى ذَكَر البأس والعقاب لِمَن قال هذا، فلو لَم يكونوا مُخَيَّرين، وكما أنَّ المحتجَّ بالقَدَر مُتَقوِّل -يقول- على الله بغير عِلْمٍ ومُدَّعٍ لعِلْم الغيب؛ لأنَّ قدرَ الله غيبٌ لا يعلمه إلاَّ الله، حيث أن المأمور به الإنسان هو تنفيذُ أمر الله، والسَّعي لطاعته، وطلب ثوابه ورِضاه.

روى الإمام الترمذي أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - غَضِب غضبًا شديدًا عندما خَرَج على أصحابه يومًا وهم يتنازَعُون في القَدَر، حتى احمرَّ وجهُه، حتى كأنما فُقِئ في وجْنَتَيه الرُّمَّان، فقال: "أبهذا أُمِرتُم، أم بهذا أُرسِلتُ إليكم؟ إنَّما هَلَك مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم ألاَّ تنازعوا فيه"، وحيث استجابَ الصحابة لعزيمة نبيِّهم وتوجيهه، فلم يُعرَف عن أحدٍ منهم أنَّه نازَع في القَدَر في حياة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو بعد وفاته.

ومن الذين غَالَوا في القَدَر المتواكِلُون الذين يقولون "إنَّ أعمالنا كلَّها مُقَدَّرة، ولا حاجة لنا بالقَدَر"، وأمَّا المؤمن فيعلم أنَّه مأمورٌ بالأخْذ بالأسباب مع التوكُّل على الله؛ فهذا أبو عبيدة عامر بن الجرَّاح - رضِي الله عنه - اعْتَرَض على رجوع "عمر" بالناس عن دخول الشام عندما انتشر بها الطاعون، وقال لعمر بن الخطَّاب: "يا أمير المؤمنين، أفِرارًا من قدَر الله؟"، فقال عمر: "لو غيرُك قالَها يا أبا عبيدة، نعم، نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ إنْ كان لك إبلٌ هبطتْ واديًا له عُدْوتان؛ إحداهما خَصيبة، والآخرى جَدْبة، أليس إنْ رعيت الخصبة بقَدَر الله، وإنْ رعيت الْجَدبة رعيْتها بقدَر الله؟"( صحيح البخاري).

ولَمَّا سُئِل نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الرُّقَى والأدوية: هل تَرُدُّ من قَدَر الله شيئًا؟ فأخبرهم أنها من قَدَر الله، فتَرْك الأخْذِ بالأسباب قَدْحٌ في الشريعة؛ فالنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما خرَجَ مهاجرًا خوفًا من القتْل؛ لأنَّ الله قال له: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ"  (المائدة: 67)، وحيث أن هِجرة الرسول إثباتٌ لأمَّته وتعليمٌ لها بالأخْذِ بالأسباب، وأنها جزءٌ من الدِّين.

وكما أنَّ الإيمان بالقَدَر مأمور به، فالأخذ بالأسباب مأمورٌ به كذلك، بل هو من قَدَر الله -عز وجل-، وهذا ما كان نبيُّنا -صلَّى الله عليه وسلَّم- يعلِّمه أصحابَه؛ لئلاَّ يتَّكِلوا؛ حيث روى مسلم في صحيحه عن علي -رضي الله عنه- قال: "كنَّا في جنازةٍ في بقيع الغَرقَد، فأتانا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقَعَد وقعدْنا حوله، ومعه مِخْصَرةٌ -عصًا صغيرة- فنكَّس -خفَضَ رأْسَه- فجعل ينكثُ بمِخْصَرته، ثم قال: "ما منكم من أحدٍ، ما من نفسٍ منفوسة، إلا وقد كتَبَ الله مكانها من الجنَّة أو النار، وإلا قد كُتِبتْ شقيَّة أو سعيدة".

فقال رجلٌ: يا رسول الله، أفلا نمكثُ على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: "مَن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهلِ السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة"، فقال: "اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّر؛ أمَّا أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"  (الليل : 5 – 10).

اضافة تعليق