مصر.. أرض الأنبياء والأبطال

الخميس، 05 أكتوبر 2017 12:00 ص

وذكر المؤرخ ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" "لمَّا خلق الله -عز وجل- آدم عليه السلام مثَّل له الدنيا؛ شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وأنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك، فلمَّا رأى مصر رآها أرضًا سهلة، ذاتَ نهر جارٍ؛ مادَّتُه من الجنة، وتنحدر فيه البركة، وتمزجه الرحمة، ورأى جبلًا من جبالها مكسوًّا نورًا.

ولا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنة، تُسقَى بماء الرحمة، فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات، وقال: يا أيها الجبل المرحوم، سفحك جنة، وتربتك مسك، يدفن فيها غراس الجنة، أرض حافظة مطيعة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعز، يا أرض مصر فيك الخبايا والكنوز.

 ولك البر والثروة، سال نهرك عسلًا، كثَّر الله زرعك، ودر ضرعك، وزكى نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك خير ما لم تتجبري وتتكبري أو تخوني، فإذا فعلت ذلك عراك شرٌّ، ثم يعود خيرك. فكان آدم عليه السلام أول من دعا لها بالرحمة والخصب والبركة والرأفة".

وتعتبر مصرعمود الملة؛ وسميت مصر بـ"أم البلاد و غوث العباد"؛ فبهذا سماها نبي الله نوحٌ -عليه السلام-؛ فقد أخرج ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب) بسندٍ حسن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن نوحًا -عليه السلام- قال لابنه حينما أجاب دعوته: "اللهم إنه قد أجاب دعوتي؛ فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة، التي هي أم البلاد، وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم، وقوهم عليها".

ويقول العلامة الألوسي في "روح المعاني" "قد يقال لبلد: هي أم البلاد باعتبار احتياج أهالي البلاد إليها؛ فقد ذكراً عن سعيد بن أبي هلال أنه قال: اسم مصر في الكتب السالفة أم البلاد، وذكر أنها مصورة في كتب الأوائل وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها".

وحيث قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: مصر أخصب بلاد الله، وسماها الله تعالى بمصر وهي هذه دون غيرها، ومن أسمائها أم البلاد، والأرض المباركة، وغوث العباد، وأم خنور، وتفسيره: النعمة الكثيرة، وذلك لما فيها من الخيرات التي لا توجد في غيرها، وساكنها لا يخلو من خير يدر عليه فيها، فكأنها البقرة الحلوب النافعة.

وكما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"  عن أم المؤمنين أم سلَمة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوصى عند وفاته، فقال: "اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ".

ولقد تضافرت الوقائع التاريخية منذ قديم الزمان وعلى مر العصور وكرِّ الدهور على إثبات الخيرية والأفضلية لجيش مصر من الناحية الواقعية العملية، وشهد بذلك المؤرخون؛ ومنهم العلامة شهاب الدين بن فضل الله العمري؛ الذي قال في "مسالك الأبصار وممالك الأمصار" (3/ 180، ط. المجمع الثقافي): "ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملك أقطار الأرض، مع اجتهاد السلطان جلال الدين محمد بن خوارزمشاه -رحمه الله-، حتى قتل، ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة في الدائرة، والنغبة من البحر، والله يؤيد بنصره من يشاء.

 وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، وهذا من المعجزات النبوية وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَلَا وَهُمْ الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ"، وقوله: "ألا وهم الجند الغربي" زيادة في الروايات.

 وهذه الرواية إن لم تصح روايتها صحت بالمعنى؛ لأن هذه الطائفة وهي كانت الطائفة الظاهرة التي أرادها النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله وعناهم بها، لأنه لم يظهر على التتار سواهم، وبهذه النصرة دامت النصرة على التتار، وكانت بهم لا بغيرهم، مع كثرة من كان من ملوك الإسلام، واجتهادهم في الجهاد، فتماسك بهذه المرة رمق الإسلام، وبقيت بقية الدين.

ومن طُرقٍ عن أَبي هانئٍ حميد بن هانئٍ الخَوْلاني، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِيَّ؛ وهو عبدُ الله بن يزيد، وعمْرَو بن حُرَيْث، وغيرَهما يقولون: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّكُمْ سَتَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ، جُعْدٌ رُءُوسُهُمْ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ، وَبَلاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللهِ" يعني: قبط مصر، وسنده صحيح على شرط مسلم.

وأخرج البخاري في "التاريخ الكبير"، وكما ورد عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّكُمْ سَتُجَنِّدُونَ أَجْنَادًا؛ جُنْدًا بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ".

 

اضافة تعليق