مفاهيم إفتائية.. المفهوم «17»: الصحة والفساد والبطلان

الخميس، 05 أكتوبر 2017 12:00 ص

ويجب عندهم أن تتم العبادة مستوفية الأركان والشروط حتى يحكم بصحتها؛ فمن صلى وهو يظن أنه متطهر ثم تبيَّن أنه قد انتقض وضوؤه فصلاته صحيحة عند الجمهور، ويجب عليه قضاء الصلاة بأمر متجدد، أما الحنفية فيرون أن الصلاة غير صحيحة من الأساس لعدم اندفاع القضاء.

وذهب الحنفية إلى أن الصحة في المعاملات هي: ترتب أثر المعاملات، وهو ما شرعت من أجله، كحل الانتفاع في عقد البيع، أو الاستمتاع في عقد النكاح.

ويتعلق بالصحة أحكام، منها: عوارض الأهلية، فالأهلية تتعلق بقدرتين: قدرة فهم الخطاب وهي بالعقل، وقدرة العمل به وهي بالبدن، فأي خلل يعتري العقل، أو البدن يصير عارضًا من العوارض التي قد تحول دون أهلية العبد للقيام بتصرفات تعد من وجهة نظر الشرع صحيحة، فالمرض مثلا له أثر في نقص التكليف الشرعي، لأن المريض له رخص كثيرة شرعت للتخفيف عنه، كما يكون المرض في بعض الأحوال سببًا للحجر على المريض مرض الموت؛ فإذا كان الإنسان صحيح العقل والبدن توجَّه إليه التكليف كاملا.

وذكر الفقهاء كذلك جملة من الأحكام يشترط فيها صحة البدن، فالحج فلا يجب الحج بالنفس على من به مرض وعجز يمنعه من أداء هذه العبادة التي تحتاج إلى جهد كبير.

الفساد في اللغة نقيض الصلاح، وقد عرفه جمهور الفقهاء بأنه مخالفةُ الفعلِ الشرعَ بحيث لا تترتب عليه الآثار ولا يسقط القضاء في العبادات، في حين عرفه الحنفية بأنه كون الشيء مشروعًا بأصله دون وصفه، كالنكاح مثلا عقد شرع بأصله، وله أوصاف نص عليها الشارع كالمهر والولي والشهود، فإذا عقد النكاح دون تسمية المهر، فهنا مخالفة للوصف الشرعي، يتوجب عند الحنفية تصحيحه بفرض تسمية للمهر، أو تقدير مهر المثل.

والعبد الذي يرتكب عن عمد تصرفًا مشوبًا بالفساد سواء في العبادات أو المعاملات فإنه يقع عليه الإثم والعقاب من الله، كمن صلى دون طهارة أو تزوج امرأة في فترة عِدَّتها، وحتى الأحناف الذين يرون أن العقود الفاسدة قابلة للتصحيح، فإن الإقدام عليها عندهم حرام، ويجب فسخها حقا لله تعالى، وحيث أن العبادة تفسد بأمور، منها ترك شرط من شروط صحة العبادة، كترك ستر العورة أو الطهارة أو استقبال القبلة في الصلاة، وكذلك ترك ركن من أركان العبادة، كترك القيام أو الركوع أو السجود في الصلاة دون عذر، وأيضاً ارتكاب فعل من الأفعال التي تفسد العبادة، كالأكل والشرب في الصلاة، و رفض نية العبادة في أثناء القيام بها بأن قطع النية أو عزم على قطعها، على خلاف وتفصيل بين المذاهب، و مخالفة النهي الوارد عن الفعل أو على الوصف الملازم له كالنهي عن صوم يوم العيد.

إذا فسدت العبادة فإنه يترتب على هذا الفساد عدة أمور، منها:

*بقاء انشغال الذمة بالعبادة إلى أن تؤدَّى إن كانت العبادة ليس لها وقت محدد كالزكاة، أو تقضى إن كان وقتها لا يتسع لمثلها كالصيام في رمضان أو تعاد إن كان وقتها يتسع لغيرها معها كالصلاة ما دامت الإعادة في الوقت، فإن خرج الوقت كانت قضاءً.

*العقوبة الدنيوية في بعض العبادات كالكفارة على من تعمد الإفطار في نهار رمضان، على خلاف وتفصيل بين الفقهاء.

*عدم المضي في الفاسد بمعنى عدم الاستمرار في أداء عبادة فاسدة إلا في الصيام والحج؛ فيجب الاستمرار في أدائهما فاسدين والقضاء فيما بعد.

*قد يترتب على فساد العبادة فساد عبادة أخرى، كالوضوء يفسد بفساد الصلاة بالقهقهة عند الحنفية.

*حق استرداد الزكاة إذا أعطيت لغير مستحقها في بعض الأحوال.

ويختلف تعريف البطلان في العبادات عن المعاملات؛ ففي العبادات عدم اعتبار العبادة حتى كأنها لم تكن، كما لو صلى بغير وضوء.

ويعرفه الحنفية في المعاملات بأنه "المعاملة التي تقع على وجه غير مشروع بأصله ولا بوصفه، وينشأ عن البطلان تخلف الأحكام كلها عن التصرفات، وخروجها عن كونها أسبابًا مفيدة لتلك الأحكام التي تترتب عليها، فبطلان المعاملة لا يوصل إلى المقصود الدنيوي أصلاً، لأن آثارها لا تترتب عليها؛ فتُعَدُّ كأن لم تكن.

وعند غير الحنفية لا يفرقون بين الفساد والبطلان، وتنقسم العبادات إلى صحيحة وغير صحيحة، ولا فرق في غير الصحيح منها بين الفاسد والباطل، إلا في بعض المسائل؛ فالحنفية يتفقون مع الجمهور في عدم التفرقة بين الفاسد والباطل في العبادات، أما الخلاف بينهم فيظهر في المعاملات، وحيث اتفق الفقهاء على أن الصحيح من العقود ما أقره الشرع ورتب آثاره بأن كانت أركانه وأوصافه سليمة، أما العقد غير الصحيح فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم التفرقة فيه بين الفاسد والباطل، في حين ذهب الحنفية إلى إجراء هذه التفرقة، فإذا حدث خلل في ركن من أركان العقد صار العقد باطلا، ولا يترتب عليه آثاره، من تملك أو انتفاع أو غير ذلك من آثار، أما إذا حدث الخلل في شرط من الشروط المتعلقة بالحكم أي في وصف من الأوصاف، فإنه تترتب عليه بعض الآثار وليس كل الآثار، وهذا هو العقد الفاسد، أما العقد الباطل فإنه لا يكون له وجود.

فالعقد الباطل صورته أن يكون محل العقد غير مباح كالخمر والخنزير، أو يكون محل العقد معدومًا أو غير مقدور التسليم، كبيع الجنين في بطن أمه؛ لأنه في حكم المعدوم.

وأما العقد الفاسد فهو كالبيع بثمن غير معلوم وكعدم تحديد الأجل في العقود المؤقتة، وإذا رفع سبب الفساد في المجلس بأن عين الثمن أو حددت المدة ترتبت على العقد كل آثاره عند الحنفية، المصدر: الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

 

اضافة تعليق