"إنما الأعمال بالنيات".. كيف تصلح نواياك؟

الأربعاء، 04 أكتوبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث :

نال هذا الحديث النصيب الأوفر من اهتمام علماء الحديث؛ وذلك لاشتماله على قواعد عظيمة من قواعد الدين، فإن بعض العلماء جعل مدار الدين على حديثين: هذا الحديث، بالإضافة إلى حديث عائشة رضي الله عنها: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"؛ ووجه ذلك: أن الحديث السابق ميزان للأعمال الظاهرة، وحديث الباب ميزان للأعمال الباطنة .

والنية في اللغة: هي القصد والإرادة ، فيتبيّن من ذلك أن النية من أعمال القلوب، فلا يشرع النطق بها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتلفظ بالنية في العبادة، أما قول الحاج: " لبيك اللهم حجًّا "، فليس نطقاً بالنية، لكنه إشعار بالدخول في النسك، بمعنى أن التلبية في الحج بمنـزلة التكبير في الصلاة، ومما يدل على ذلك أنه لو حج ولم يتلفظ بذلك صح حجه عند جمهور أهل العلم.

فؤائد النية :  

أولاً: تمييز العبادات عن بعضها، وذلك كتمييز الصدقة عن قضاء الدين، وصيام النافلة عن صيام الفريضة.

ثانياً: تمييز العبادات عن العادات، فمثلاً "قد يغتسل الرجل ويقصد به غسل الجنابة، فيكون هذا الغسل عبادة يُثاب عليها العبد، أما إذا اغتسل وأراد به التبرد من الحر، فهنا يكون الغسل عادة، فلا يثاب عليه"، ولذلك استنبط العلماء من هذا الحديث قاعدة مهمة وهي قولهم: "الأمور بمقاصدها"، وهذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه .

وفي صدر هذا الحديث ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "إنما الأعمال بالنيات"، أي: أنه ما من عمل إلا وله نية، فالإنسان المكلف لا يمكنه أن يعمل عملاً باختياره، ويكون هذا العمل من غير نية، ومن خلال ما سبق يمكن الرد على أولئك الذين ابتلاهم الله بالوسواس فيكررون العمل عدة مرات ويوهمهم الشيطان أنهم لم ينووا شيئا، فنطمئنهم أنه لا يمكن أن يقع منهم عمل باختيارهم من غير نية، ما داموا مكلفين غير مجبرين على فعلهم .

ويستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لكل امريء ما نوى"، وجوب الإخلاص لله تعالى في جميع الأعمال؛ لأنه أخبر أنه لا يخلُصُ للعبد من عمله إلا ما نوى، فإن نوى في عمله اللهَ والدار الآخرة، كتب الله له ثواب عمله، وأجزل له العطاء، وإن أراد به السمعة والرياء، فقد حبط عمله، وكتب عليه وزره، كما يقول الله عزوجل في محكم كتابه: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا".

وبذلك يتبين أنه يجب على الإنسان العاقل أن يجعل همه الآخرة في الأمور كلها، ويتعهد قلبه ويحذر من الرياء أو الشرك الأصغر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى ذلك: "من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" رواه ابن ماجة .

ومن عظيم أمر النية أنه قد يبلغ العبد منازل الأبرار، ويكتب له ثواب أعمال عظيمة لم يعملها، وذلك بالنية، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما رجع من غزوة تبوك : "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة ؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر" رواه البخاري.

ولما كان قبول الأعمال مرتبطاً بقضية الإخلاص ، ساق النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً ليوضح الصورة أكثر، فقال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، وأصل الهجرة: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو من دار المعصية إلى دار الصلاح، وهذه الهجرة لا تنقطع أبداً ما بقيت التوبة؛ وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ويستشكل البعض ما ورد في الحديث السابق؛ حيث يظن أن هناك تعارضاً بين هذا الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح" كما في "الصحيحين"، والجواب عن ذلك: أن المراد بالهجرة في الحديث الأخير معنىً مخصوص؛ وهو: انقطاع الهجرة من مكة، فأصبحت دار الإسلام، فلا هجرة منها.

على أن إطلاق الهجرة في الشرع يراد به أحد أمور ثلاثة: هجر المكان، وهجر العمل، وهجر العامل، أما هجر المكان: فهو الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وأما هجر العمل: فمعناه أن يهجر المسلم كل أنواع الشرك والمعاصي، كما جاء في الحديث النبوي : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، والمقصود من هجر العامل: هجران أهل البدع والمعاصي، وذلك مشروط بأن تتحقق المصلحة من هجرهم، فيتركوا ما كانوا عليه من الذنوب والمعاصي، أما إن كان الهجر لا ينفع، ولم تتحقق المصلحة المرجوة منه، فإنه يكون محرماً .

ومما يُلاحظ في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خص المرأة بالذكر من بين متاع الدنيا في قوله: "أو امرأة ينكحها"، بالرغم من أنها داخلة في عموم الدنيا؛ وذلك زيادة في التحذير من فتنة النساء؛ لأن الافتتان بهن أشد، مصداقاً للحديث النبوي: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، وفي قوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"، لم يذكر ما أراده من الدنيا أو المرأة، وعبر عنه بالضمير في قوله: "ما هاجر إليه"، وذلك تحقيراً لما أراده من أمر الدنيا واستهانة به واستصغاراً لشأنه، حيث لم يذكره بلفظه.

ويستفاد من هذا الحديث علاوة على ماتقدم : أن على الداعية الناجح أن يضرب الأمثال لبيان وإيضاح الحق الذي يحمله للناس؛ وذلك لأن النفس البشرية جبلت على محبة سماع القصص والأمثال، فالفكرة مع المثل تطرق السمع، وتدخل إلى القلب من غير استئذان، وبالتالي تترك أثرها فيه، لذلك كثر استعمالها في الكتاب والسنة.

اضافة تعليق