في غياب مرافق التنشئة.. الشباب العربي يكتسب ثقافة الشارع

الأربعاء، 04 أكتوبر 2017 12:00 ص

وفي طريق الإجابة على هذه التساؤلات، يشير العديد من الخبراء والمختصين سواء في علم النفس أو في التربية أو في علم الاجتماع بعد دراسات وبحوث كثيرة ركزوا فيها على وضع الشباب اليوم سواء في مصر أو في غيرها من الدول العربية التي تتشابه معها في ما يخص واقع الطفولة والشباب مثل تونس والمغرب وغيرهما، إلى أن النقص في الأندية الثقافية أو أندية الأنشطة الترفيهية القادرة على استيعاب الأطفال والمراهقين والشباب من ناحية، وارتفاع تكاليف التسجيل فيها -إن وجدت- من ناحية ثانية، يجعل الأطفال والشباب يمضون معظم أوقاتهم في الشوارع. الأمر الذي يطرح إشكاليات جمّة من ناحية المشكلات والظواهر الاجتماعية.

هذا ما يحصل اليوم بالرغم من تعدد أنماط وأساليب نشر المعرفة والتثقيف المجتمعي والترفيه الإيجابي البنّاء للناشئة، بهدف رفع مستوى الوعي لديها وحمايتها من الأفكار الهدامة والمتطرفة، وربط علاقة بناءة بين الأطفال وبين أقرانهم من مراحل عمرية متقاربة. وهذه الأنماط لم تعد قاصرة اليوم على المكتبات والكتب الورقية، إذ صارت الثقافة الرقمية أكثر تشويقًا وجاذبية في عصر التكنولوجيا والإنترنت.

مناطق مهمشة

تعاني مشروعات الثقافة التقليدية في مصر ومن بينها قصور وبيوت الثقافة من مشكلات عدة، منها ارتفاع التكلفة المالية للتسجيل فيها في بعض الأحيان، وعدم إتاحة خدماتها في بعض المناطق النائية خصوصًا في الأحياء الشعبية والأرياف، الأمر الذي يشكل خطورة على الأطفال والمراهقين والشباب، المعرضين للوقوع في براثن أخلاقيات الشارع في ظل عدم انغماسهم في أنشطة مجتمعية مثمرة.

وتقول الرئيسة السابقة للمركز القومي للثقافة في مصر د. إيمان سند لـجريدة العرب اللندنية، إن “مصر تعاني من نقص الأندية ومراكز الشباب، خصوصًا في الكثير من مدن الصعيد ومناطق الأطراف، فإذا وجدنا لكل 10 آلاف طفل وشاب وفتاة مكانا مخصصًا لممارسة الرياضة مكافئًا لهم ويستوعبهم، فإن ذلك حدث مهم في تلك المناطق النائية”.

أما إذا تحدثنا عن المدن الكبرى كأسيوط والمنيا في الصعيد، والمنصورة وطنطا والمحلة في الدلتا، فالاهتمام يتبلور في قلب المدينة فقط، حيث مركز شباب تُمارس فيه بعض الأنشطة للشباب وللأسر، وأغلبها أنشطة اجتماعية ترضي الأسر أكثر من الأطفال والشباب.

أما في القاهرة والإسكندرية فتوجد أندية كثيرة تهتم بأبناء النخبة، ونستثني من ذلك فقط بعض الموهوبين في بعض الألعاب الرياضية، فهؤلاء مرحب بهم في الأندية لموهبتهم فقط، أما مراكز الشباب فتتم ممارسة الأنشطة فيها بشكل أقل نظامية، مع فقر في التدريب يتفاوت من حي إلى حي.

وتضيف إيمان سند “إن كنا غير راضين عن أماكن ممارسة النشاط العام من حيث عددها وخارطة انتشارها في مختلف ربوع مصر وكفاءة دعمها للأنشطة الرياضية، فإنني أشير إلى نقطتين مضيئتين فى مسيرة الشباب والرياضة”.

تتمثل الأولى في المسابقات الأدبية والفنية للأطفال والشباب، وتقوم بها وزارة الشباب لقطاع الطلائع والشباب منذ عدة سنوات بكفاءة، وتحرص على أن تجرى تلك المسابقات في الإجازات الصيفية.

والثانية ترتكز على تطوير مركز شباب الجزيرة بالقاهرة، ما جعله يستوعب أعدادًا مضاعفة، وتُمارس فيه الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية للأطفال والشباب والأسرة ككل، و”أعيب على التجربة ارتفاع مبلغ الاشتراك السنوي، ليضع المركز في مصاف أندية النخبة، وليس مركزًا يستقبل الشباب ويكتشف المواهب الواعدة”.

وفي مطلع العام الجاري، تحدد سعر الاشتراك في مركز شباب الجزيرة بـ30 ألف جنيه، في حين أن اشتراك مراكز الشباب بالقرى 5 جنيهات في العام الواحد، وفي المدن ما بين 10 إلى 35 جنيهًا في العام، وهناك مراكز شباب لها رسوم التحاق، لتوفر الملاعب وحمامات السباحة بها بمستوى أعلى، وتتراوح رسومها بين 500 إلى 5000 جنيه.

غياب المشروع

أشار الخبير في مجال قضايا الطفل والنشء وأساليب التعلم في المدرسة والجامعة الدكتور مصطفى الضبع، إلى أن الكثير من أزماتنا تخص الشباب والأجيال القادمة (بعنفها وتطرفها)، كما أن جزءا هاما من أزماتنا يبدأ من هذه الدائرة، دائرة القصور حيث لا نأخذ خطوة واحدة تجاه التفكير، مجرد التفكير، في الحل، وما يستتبعه من مسؤوليات.

ويقول الخبير في قضايا النشء موضحا “بالطبع يعاني الشباب والأطفال من مشكلة أمكنة تستوعب جموعهم وجموحهم في العطلات الأسبوعية والشهرية والسنوية، وأصبح البديل الطبيعي والمنطقي هو الشارع، بثقافته، وأخلاقياته، وجرائمه، ونزواته، وحوادثه، مما جعل بيوتنا في معظمها منفتحة على الشارع بكل ما ينضح به”.

ويضيف “الجميع يدرك الأزمة وأبعادها، باستثناء الجهات المعنية أو الوزارات المعنية الغائبة عن المشهد، أزمة التطرف وأسبابها التي تتغافل عنها جهات هي المسؤولة بالأساس عنها. كما أن اللحظة الراهنة تتفجر عن الكثير مما يجب الوقوف عليه بحثًا عن حلول ليست بعيدة، غير أنها مغيبة، على الرغم من أننا في أمسّ الحاجة إليها كي لا نعيد طرح المشكلة، نقف على جانب منها يتمثل في احتضان المجتمع للأزمة، واحتضانها يعني توفير البيئة المناسبة للحل، أقول المناسبة ولا أقول المثالية”.

إن حلولا جزئية أو تفكيرًا خارج العمل، من خلال منظومة تتبلور في مشروع ثقافي اجتماعي تتشارك فيه أكثر من جهة، بدونه سيظل الوضع على ما هو عليه، وسيظل الشارع معملا لتفريخ ما فشل وخاب من الأجيال، وسنظل نتشدق بمقولات وجودها يغني عن تطبيقها من مثل: علينا أن نفهم أن حلول مشكلة التطرف والإرهاب ليست أمنية فقط، وهي واحدة من المسكوكات التي يرددها الجميع دون استثناء، لكنها لا تتجاوز حدود المدى الزمني الذي تقال فيه، بحسب مصطفى الضبع.

تبدو الأزمة مسؤولية مجموعة مؤسسات من الصعب تخلي واحدة منها عن مسؤولياتها، والمفترض، وفق الضبع، أن تقوم وزارة الشباب بدور المايسترو لتحريك الجهات الأخرى وتفعيل دورها، ووزارتي التعليم والتعليم العالي، وعليهما التخلي عن فكرة حصر دورهما في التعليم فقط دون التربية، وأن توسعا مفهوم التعليم الأضيق الذي تعملان به، وأن يكون للمعلم والأستاذ الجامعي الدور الممتد خارج قاعة الدرس.

ويلفت الضبع إلى المؤسسة الإعلامية بكل مفرداتها، وإلى وزارة الصحة، التي يتحدد دورها في التوعية من مخاطر الإدمان والتدخين وأمراض الشباب، والتوعية المستهدفة تنمية حس الوقاية والحفاظ على الصحة العامة، وإلى وزارة الصناعة، استثمارًا للأندية التابعة لها أولًا، وإسهاماتها في تطوير المنشآت القائمة ثانيًا.

وهذه المؤسسات “ليست مسؤولة عن العمل من أجل الشباب والأجيال فحسب، لكنها مسؤولة أيضًا عن التخلي عن فكرة قوامها أن الرياضة نوع من الترفيه أو شكل من أشكال اللعب الذي نمارسه وقت الفراغ”.

مصر أمام عدد من الحلول، تتبلور في الاستفادة من تجارب الآخرين وما أكثرها، ما يعني ضرورة الاستفادة مما هو قائم عبر استثمار الممكنات المتاحة التي يمكن توظيفها لإدارة الأزمة والخروج منها، وهو ما يعني أيضا التفكير في إدارة المتاح، فهناك الكثير من بيوت الشباب والساحات مغلقة في وجه الشباب والأطفال.

ويرى الضبع أن نقطة البداية تنطلق من إنجاز خارطة يمكن تسميتها بخارطة الشباب والرياضة، تعتمد في أحد جوانبها على حصر الأماكن المتاحة أو التي يمكن إتاحتها للشباب بحيث لا يخلو حي من مكان متاح للشباب ليكون بيئة صالحة لممارسة نشاط لم يعد ترفًا، ولم يكن نوعًا من الترف، تتلوها إعادة النظر في دور المؤسسات المعنية بالعمل الشبابي أو العمل لصالح الشباب.

ويضيف الضبع أن هذه المؤسسات تتمثل في “بيوت الشباب والساحات الشعبية، وقد بدأت تتضاءل في المستوى المادي عبر توقف إنشائها أو تضاؤل مساحاتها مؤذنا بغيابها من خارطة النشاط الشبابي، والمدارس، غير المفهوم معنى إغلاقها في الصيف وعدم استثمارها بوصفها النوادي المفتوحة مجانا لأبنائها. والجامعات، التي ينطبق عليها ما ينطبق على المدارس، فالجامعة غائبة تمامًا عن القيام بدورها خارج قاعة الدرس”.

ويتابع، أما المؤسسات الأخرى فهي “بيوت الثقافة وقصورها، وهي بمثابة الثروة القومية التي لم تستثمر بعد الاستثمار الأمثل أو الأفضل، فما زالت البيوت والقصور حكرًا على الأدباء وهم قلة وليسوا بؤرة الأزمة، ويفهم الكثير من القائمين على هذه البيوت أن دورها ينحصر في إقامة ندوة أدبية أو أمسية شعرية، والأندية الرياضية، وتكاد تنحصر في أداء دور نخبوي ذي صبغة طبقية بالأساس، ولا تزال في حاجة إلى الكثير من برامج العمل الشبابي بطريقة عصرية”.

وهناك المصانع الكبرى والشركات، التي يمكنها القيام بأدوار متعددة سواء باستثمار النوادي الاجتماعية التابعة لها أو دورها في تطوير المنشآت القائمة أو دورها الاجتماعي في خدمة البيئة المحيطة بها.

مبادرات رسمية

ظهرت تجليات ومبادرات مبتكرة لمخاطبة الأطفال والمراهقين والشباب بمصر، انطلاقًا من تنوع أنماط التثقيف الموجودة، وهي مشروعات تأخذ على عاتقها الوصول إلى جميع أفراد الأسرة، خصوصًا الصغار منهم، أيًّا كان مكانهم. وتقوم على تطوير أساليب مخاطبة الأطفال من خلال تقنيات جذابة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والشبكة البينية، والمزج بين التثقيف المعرفي والتوعوي للصغار، وبين وسائل الترفيه؛ الأنشطة الإبداعية، ممارسة الألعاب الرياضية، المسابقات المختلفة وغيرها.

من نماذج المشروعات والمبادرات الجديدة في هذا الصدد، ما أعلنه مؤخرًا حلمي النمنم وزير الثقافة المصري بشأن “المكتبات المتنقلة”، و”الأكشاك الثقافية”، وفق صياغة عصرية ومعطيات جديدة، وتجاوزت الفكرة مجرد عرض مجموعة من الكتب في مكان مفتوح (حديقة الأزهر، حديقة الحيوان)، لتصبح إنشاء مركز ثقافي تنويري متكامل، يتضمن القراءة الورقية والإلكترونية وورش الرسم للأطفال واكتشاف المواهب في إلقاء الشعر والموسيقى والغناء، وأنشطة مسرح العرائس، وغيرها.

وأوضحت الهيئة العامة لقصور الثقافة أنها في طريقها إلى التحقق لدعم القراءة ونشر الثقافة وإشعاعات التنوير وتشجيع المواهب في الفنون المختلفة وإقامة فعاليات وبرامج متكاملة، وذلك في محطات المترو والمواصلات العامة والميادين والأندية والحدائق، في جميع محافظات مصر.

هناك أيضًا “الدوري الثقافي”، وهو عبارة عن مسابقة ثقافية في كتابة القصة القصيرة، تهدف إلى الخروج من القاعات الضيقة والوصول إلى المواهب الأدبية والقراء في كل مكان، ويأخذ تحكيم الأعمال في اعتباره “تصويت الجمهور” لصالح الأعمال المتنافسة، مع تخصيص جائزة إضافية لأفضل قارئ.

مثل هذه المبادرات الجديدة، تسير جنبًا إلى جنب مع المشروعات التقليدية التي ترعاها الدولة منذ سنوات من خلال وزارتي “الثقافة”، و”الشباب والرياضة”، ومنها: قصور الثقافة، والمكتبات العامة، ومكتبة الطفل، ومشروع القراءة للجميع، ومراكز الشباب، والأندية الرياضية، وغيرها.

اضافة تعليق