شُعب الإيمان.. الإيمان باليوم الأخر

الثلاثاء، 03 أكتوبر 2017 12:00 ص

والإيمان بكل ما أخبر به الله -سبحانه وتعالى- في كتابه، وأخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان، والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وما أعد الله تعالى لأهلهما جميعاً؛ فأخبرنا الله تعالى عن طريق رسله الكرام، فسبيله هو النقل الصحيح مما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، كما أوجب الله -عز وجل- علينا الإيمان به، وجعله ركناً من أركان الإيمان، قد أودع الفطرة البشرية القدرة على الإيمان بالغيب، وميز الإنسان بهذا الأمر من بين ما ميزه به.

دل القرآن والسنة النبوية على الإيمان باليوم الآخر، وحيث أن القرآن كله يذكر أحوال اليوم الآخر، وتفاصيل ما فيه، والأدلة عليه، رد على منكريه، وبين كذبهم وافتراءتهم، وبذلك الفطرة السليمة تدل عليه وتهدي إليه، وأما الأدلة الدالة على البعث والنشور واليوم الآخر منها:

*الإقسام على وقوع البعث: قال الله تعالى آمراً نبيه أن يقسم بربه على أن البعث حق لا ريب، وأنه لا بد من وقوعه، ومحاسبة أولئك المكذبين الجاحدين له، وأن ذلك لا يعجز الله تعالى؛ بل هو عليه يسير "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (التغابن: 7)، وحيث أوضح الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوقوع البحث والجزاء، وأنه واقع لا محالة.

* التنبيه بالنشأة الأولى على النشأة الثانية؛ فقال تعالى:  "وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا " (الإسراء: 49-52)؛ فسبحانه يوضح لعباده أنه يعيد المخلوقات بعد أن يموتوا ويبلوا في الأرض؛ فكما أنه أنشأهم أول مرة وأوجدهم من العدم، لا يعجزه أن ينشئهم مرة أخرى، ومعلوم أن النشأة الأخرى تكون أهون من النشأة الأولى، وحيث قال الله تعالى  "وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا" (مريم 7).

*التنبيه بخلق السموات والأرض على إحياء الموتى أو النظر في مخلوقات أكبر وأعظم من خلق الإنسان، وكما في قول الله تعالى " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الأحقاف: 33)؛ فالله الذي خلق السموات والأرض قادر على خلق هذا الإنسان الضعيف؛ فلننظر إلى قدرة الله في هذا الكون.

وعظمة الخالق لا يمكن للعقل البشري أن يتصورها قال الله تعالى: "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (البقرة: 255)، وكذلك روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض".

وأما الإنسان الذي ينكر البعث قال الله تعالى له: "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" (الذاريات: 21)؛ فهذا المخلوق الإنساني هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض، ولكنه يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن الإيمان، وحين يحرم نعمة اليقين.

* التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى؛ فقال تعالى: "يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(الحج: 5-6)، يقرن الله بين إحياء الأرض وإحياء الموتى؛ وأن من قدر على إحياء هذه قادر على إحياء هذه: "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" (الروم: 19).

* إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا؛ فليكون إحياء الله للموتى في الدنيا دليلاً على البعث في يوم القيامة، وكما في القرآن الكريم قصة العزيز المار على تلك القرية "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة: 259).

* تنزه الله عن العبث في الخلق وأن حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب؛ فقول الله تعالى "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون: 115)، وحيث أن الخلق يصبح عبثاً وباطلاً إذا لم يكن هناك يوم آخر يبعث فيه الناس، ويحاسبون على أعمالهم التي عملوها في الحياة الدنيا، ومن أجل ذلك نجد القرآن يربط في كثير من آياته بين خلق السموات والأرض بالحق وبين بعث الناس لسؤالهم عما عملوا في الحياة الدنيا ومجازاتهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شر فشر:"زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (التغابن: 7).

 

اضافة تعليق