زواج القاصرات.. ظاهرة شاذة أم موروث مجتمعي؟

الثلاثاء، 03 أكتوبر 2017 12:00 ص

"جواز البنات سُترة، البنت عاوزين نجوزوها قبل ما يفوتها قطر الجواز وتعنس"، ما زال زواج القاصرات يعتبر ظاهرة عالمية حيث يتم سنويًا تزويج 15 مليون فتاة قاصر، وفي البلدان النامية يتم تزويج فتاة واحدة من أصل ثلاث فتيات قبل سن الـ 18، وفتاة واحدة من أصل تسع قبل سن الـ 15.

وبحسب منظمة اليونيسيف فإن "مضاعفات الحمل والولادة هي الأسباب الرئيسية للوفاة بين الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15-19 سنة في البلدان النامية".

 وأوضح عضو تحالف منظمات حقوق الأطفال موسى صديقو أن الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة، والفقر والجهل هي العوامل الرئيسية المساعدة على تكرس ظاهرة تزويج القاصرات.

 ولم يقتصر الأمر على الفتيات من البلدان السابقة فقط، فقضية زواج الفتيات الصغيرات من الأمور التي كُثر فيها الحديث بالفترة الأخيرة بمصر.

وفى مجتمعنا يتم تزويج البنات بمجرد بلوغهن سن الخامسة عشرة، وهم من الممكن أن يكونوا نضجوا جسديًا بالفعل، لكن ماذا عن النضوج العقلي والعقلي والنفسي وكذلك الاجتماعي؟.

وفي مصر بعام ٢٠٠٨ صدر قانون ١٢٦ للطفل الذي يمنع زواج القاصرات الذي تحت ١٨ سنة، ولكن هناك من يتحايل على ذلك القانون، ويقوم المأذون بتزوير عمر الفتاة مستخدمًا قلم حبر يمكنه محوه، وذلك بأن يكتب تاريخ ميلاد غير صحيح ليصبح سنها ١٨ عامًا على الأقل وقت الزواج، غير داركين عن العواقب التي تحدث، خاصة إذا حدث طلاق، فهي تعتبر قاصر وليس لديها حقوق، وتضيع بين المحاكم والآلام.

 مع وضد

الزواج المبكر مفيد للفتيات

قالت استشاري النساء والتوليد الدكتورة سوزان إبراهيم أحمد أنه من المهم أن الفتاة تكون ناضجة عاطفيًا وجسديًا حتى تستطيع تحمّل أعباء الزواج.

ومن الناحية البيلوجية فيفضل أن تكون الفتاة مهيأة بعد سن البلوغ، ومن الناحية الطبية فإن السن المناسب للزواج يتراوح ما بين 18 و24 عامًا، كما أن فارق السن المثالي بين الزوجين يجب ألا يتعدى 3ـ 5 سنوات، أما أكثر من 10 سنوات فالفارق يظهر في مدى التعامل بين الزوجين.

وأشارت إلى أن الدراسات العلمية أثبتت أن الزواج المبكر للفتاة  بداية من سن الـ 16 عامًا أفضل بكثير من السن المتأخر؛ لأن خصوبة المرأة تتركز ما بين سن"16ـ 25" عامًا، فتكون في قمتها ثم تقل في بداية الـ 30 عامًا حتى تصل للانعدام مع بداية الـ 50 عامًا.

وأضافت أن الزواج المبكر يحتاج لتهيؤ من جانب الفتاة، كما أن له العديد من الإيجابيات_بحسب ما ذكرته_ أنه لا توجد زيادة في مضاعفات الحمل والولادة، عند النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 ـ19 عامًا، والتقليل ما أمكن من ارتكاب الفتيات في سن مبكرة لأية أخطاء عاطفية.

كما أن الفتاة تتفادى أورام الثدي والرحم والمبايض، وتكون هذه الأمراض بنسبة أقل عند النساء اللاتي تبدأن الحمل والإنجاب في سن مبكرة.

وتابعت أن الفتيات اللاتي يبدأن الحمل بعد سن الـ30  تكثر نسب الولادات القيصرية والتشوهات الخلقية، علاوة على حالات وفاة الأجنة داخل الرحم.

وفي السياق ذاته أوضحت أن العلاقة الحميمة بين الزوج والزوجة التي يكون سنها قبل 15  عامًا تقل فيها معدلات النجاح، وتزداد نسبة نجاحها كلما زاد السن نتيجة للنضج الجنسي والاجتماعي والعاطفي لدى الفتاة.

الزواج المبكر غير مفيد بالمرة

وفي سياق آخر خالف استشاري أمراض النساء والأورام الدكتور محمد عدار بعض آراء الدكتورة سوزان، خاصة طبيًا، قائلًا إن جسم الفتاة يحتاج ما بين خمس إلى ست سنوات على الأقل بعد البلوغ لتصل إلى سن النضج الجسدي والجنسي.

وأكد أن زواج القصر اللواتي لم يتجاوزن سن العاشرة أو الحادية عشرة من العمر يعتبر ظاهرة مزعجة وخطيرة من الناحية الصحية حيث تكون الفتاة في سن الطفولة، وليس لديها الإدراك النفسي والصحي والاجتماعي بالمسؤولية التي سوف تلقى على عاتقها كزوجة أولًا، ومن ثم أم في هذه المرحلة المبكرة من عمرها.

 كما أضاف أنه من المعروف أن الطفلة في هذه المرحلة العمرية المبكرة لا تعي حجم المسؤولية ولا يمكنها تمييز الأمور وتحتاج إلى الكثير من التوجيه والنصح في مسار حياتها المستقبلية كالاهتمام بنموها وصحتها وتربيتها، وهذا يتطلب سنوات إلى أن تصل الفتاة إلى نضوج يمكنها من خلاله تحمل مسؤولية الاهتمام بالحياة الزوجية.

وعن مكونات جسم البنت في هذا السن الصغير ومدى ملائمته لمتطلبات الزواج أشار إلى أن مكونات جسم الطفل في هذا السن الصغير غير قادر على متطلبات الزواج لأن هذا السن بداية البلوغ والتي قد تستمر إلى سن الثامنة عشر من العمر حيث تبدأ التغيرات الهرمونية ويبدأ نزول الحيض ويبدأ الثدي بالنمو وتنمو العظام وتحدث تغيرات هيكلية في بنية الجسم بالكامل ويتغير شكل الحوض ويبدأ حجم الرحم بالنمو وتستغرق هذه التغيرات من خمس إلى ست سنوات بعد سن البلوغ، موضحًا أنه يصاحب هذه الفترة تغيرات نفسية عديدة تحتاج فيها الفتاة إلى الرعاية الخاصة والكثير من الحنان حتى تتغلب على آثار هذه التغيرات النفسية والبدنية وليس إدخالها في معمعة الحياة الزوجية المحملة بالكثير من الأعباء النفسية والصحية والاجتماعية.

وأكد أن لهذا الزواج تأثيرات صحية على الفتاة، حيث أن الطفلة في هذا السن ليس لديها نضوج جسدي ولا نفسي ولا جنسي ، فتكثر لدى الفتاة مشاكل الجماع المهبلية فتحدث الآلم بسبب التشققات التي تحدث في المهبل وذلك بسبب عدم نضوجه، وكذلك عدم إفراز الهرمونات الأنثوية بشكل طبيعي في هذه السن وتكثر الالتهابات، وفي هذه السن تكون غير مدركة لما يحدث داخل حياتها الزوجية مع زوجها.

كما أثبتت جميع الدراسات الطبية ان الحمل في سن مبكرة دون سن الثامنة عشرة من العمر يصاحبه العديد من المشاكل الطبية على الأم والجنين فتزداد حالات الولادات المبكرة، وضعف نمو الجنين، وارتفاع معدلات موت الأجنة، وتزداد الحاجة للعمليات القيصرية وتزداد حالات فقر الدم وحدوث تسمم الحمل، وفي حال اكتمال الحمل والولادة تواجه الفتاة الصغيرة مشاكل عديدة في رعاية طفلها والاهتمام به وتزداد مشاكل ضعف نمو الأطفال وزيادة المشاكل الطبية لهم وتتكرر حدوث الالتهابات والعدوى ويصعب على الأم الصغيرة اكتشاف أي تغيرات غير طبيعية في الطفل تحتاج لعلاج مبكر حتى تتفاقم المشكلة ويصعب على الأم الصغيرة الرضاعة والتغذية الجيدة للطفل.

 رأي الطب النفسي

أما أخصائي الأمراض النفسية والعصبية وعلاج الإدمان دكتور محمد الهواري رأى أن السن المناسب لزواج الفتيات هو حين تصبح الفتاة ناضجة نفسيًا، وعنى بذلك أن تكون مهيئة نفسيًا وجسديًا وواعية كفاية بما سوف تمر به بدءًا من ليلة زواجها حتى المسؤوليات والقرارات التي يجب عليها إتخاذها، موضحًا أن استقرار الهرمونات تكون في أوجها بمرحلة المراهقة، مما يؤثر على تفكير الفتاة ومنطلقاتها؛ فبعد أن تهدأ وتقل الهرمونات تتهيأ الفتاة للنضج.

وأشار إلى أنه يجب أن يكون وفق ضوابط، والعودة إلى الأطباء الذين يقررون ما إذا كان سن الفتاة مناسبًا للزواج من عدمه، وإذا ما كان زواجها سيضر صحتها، ومدى استعدادها لممارسة حياتها مع زوجها، وغير ذلك من الأمور التي يحددها أهل التخصص من الأطباء.

وقال أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة الدكتور يسري عبد المحسن إن الفتاة القاصر هي فتاة غير ناضجة على المستوى الفكري أو النفسي أو العاطفي، مما يجعلها في حالة ارتباك شديد بعد الزواج تجعلها غير قادرة على التواصل الوجداني والعاطفي والفكري مع شريك حياتها.

وأضاف أستاذ الطب النفسي بكلية طب الزقازيق الدكتور أحمد عبد الله، أن القاصر أو البنت دون ١٨ عامًا تأثير زواجها يختلف من فتاة لأخرى، حسب استعدادها ما قبل الزواج، فهناك فرق بين بنت لا تعرف شيئًا وأخرى يجهزها أهلها ويتم توعيتها لما هي قادمة عليه، وبالتالي فاستعداد هو الفصيل وليس السن في حد ذاته.

طرق التوعية

أفضل الطرق لمعالجة هذه الظاهرة هي التوعية والتثقيف للآباء والأمهات عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وبالمخاطر الصحية والنفسية التي قد تحدث للأطفال في هذه السن حيث أن الأطفال ليس لهم دراية بهذه المخاطر، وليس لديهم القدرة على الاختيار والرأي بالزواج.

كما أنه يجب على الطفل ممارسة طفولته بكل براءة والاستمتاع بأفضل سنوات العمر دون تحميله مسؤولية لا يقدر عليها.

 آراء شيوخ

أكد وكيل الأزهر الأسبق الشيخ محمود عاشور أنه لا يوجد في الإسلام ما يسمي بزواج القاصرات، والذين ينادون بزواج القاصرات فهذا معناه أن ننشئ مجتمع من الجاهلية، موضحًا أن الأم عماد الأسرة فكيف للقاصرات أن تربي جيلًا؟

وأضاف أن تعليم الفتاة من شأنه رفع سن الزواج، حتى يكون لديها الإدراك والوعي بالمسؤولية التي ستلقي على عاتقها.

وأشار عضو لجنه الفتوى بالأزهر الدكتور محمد فريد إلى أن الشرع يجرّم زواج القاصرات حتى وإن كانت بالغة فهناك من تبلغ في سنوات مبكرة ما بين ٩ إلى ٢١ عامًا، لكنها مازالت لا تستطيع تحمل مسؤوليات الزواج.

 فيما أكد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أنه لا يوجد نص صريح قاطع في القرآن أو السنة يبيح أو يمنع زواج القاصرات، موضحًا: "الرسول لم يقول لنا زوجوا أطفالكم قبل البلوغ، مفيش إطلاقا هذا الكلام".

وأوضح "الطيب" في لقاء له مع سعيد محفوظ، أن هذه الظاهرة توجد أحيانا، ومن هنا لابد أن يواجهوها بالتشريعات، والبعض أجاز ذلك والبعض قال إن العقد باطل، ولكن مسألة تحديد السن تخضع لظروف العصر، و"كون إن السن الآن 18.. أهلا وسهلا لا مانع"، مضيفًا: "لو سن 18 كويس لأنه بداية الإدراك". 

وشدد شيخ الأزهر على أن الإسلام لا يبيح أبدا الزواج الذي يترتب عليه ضرر اجتماعي، وفي أيامنا هذه إذا ترتب عليه هذه الأضرار "حتى ولو بالظن" لا يباح هذا النوع من الزواج. 
آراء من الواقع

عند سؤال أحد الأمهات عن الدوافع وراء زواج بناتهن، قالت إحداهن "انا جوزت بنتي وهي 14 سنة"، معللة ذلك بأنهم وجدوا هذا ما يحدث داخل أسرهم، مضيفة "هي زي الفل أهي ومعاها بنت كمان، بيت جوزها أولى بيها".

أما أم شيماء قالت إنها زوجت أبنتها ذات الـ 13 عامًا لرجل كويتي، مستكملة "بنتي الله يرحمها مكنتش مفهماها حاجة، وحاول يقرب منها رفضت ضربها على دماغها ماتت بنزيف في المخ بنتي ماتت نتيجة جشع وطمع عمري ما هسامح نفسي أبدًا".

وقالت آية محمد طالبة بالسنة النهائية بكلية تجارة القاهرة إنها لديها قريب أجبر أبنته على الزواج من رجل ثري، وبالفعل كانت لم تبلغ الـ 12 عامًا وتزوجت، وخرجوها من المدرسة مع تزوير في العقود لوصولها للسن القانوني، وضاع حقها بعد الطلاق منه، ورجعت إلى بيت والدها مرة أخرى.

 وشرحت إيمان أحمد من أحد البلاد الريفية بأن ذلك كصيرًا ما يحدث هناك، خاصة وأن الفتاة لا تستكمل تعليمها، موضحة "البنت عندها 12 سنة وحامل، طب أزاي في طفل، وهي اللي لسه طفلة؟!".

وتابعت أن الفتاة بعد استيعابها للزواج وكبرها في السن، بدأت تتحدث مع زوجها، فبدأ يعاملها بالإهانة مرددة كلام الفتاة "ظلموني ربنا ينتقم منهم صحابي بيلعبوا في الشارع لسه وأنا معايا عيل".

من جانبها قالت إيزيس بالمجلس القومي للمرأة، إن زواج القاصرات يعد كارثة كبيرة ونتائجها في غاية الخطورة من تدمير نفسي وجسدي أو وعدم القدرة على تكوين أسرة، أو الوفاة في كثير من الحالات. 

اضافة تعليق